تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب ، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح ، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل . و ( جاء ) يستعمل بمعنى فعل ، فيتعدى تعديته ، والإد - بكسر الهمزة وفتحها ، وقرئ بهما في الشاذ - : العظيم المنكر ، الإدّ : الشدة ، قيل : الأدّ : في كلام العرب : أعظم الدواهي . ثم وصفه وبيّن هوله فقال :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
: يتشققن مرة بعد أخرى ، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله ، وهو أبلغ من « ينفطرن » كما قرئ به ،
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ
أي : وتكاد تنشق وتذهب ،
وَتَخِرُّ الْجِبالُ
أي : تسقط وتنهدم
هَدًّا
بحيث لا يبقى لها أثر . والمعنى : أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها ، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة ، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام ، ولتفتتت من شدة قبحها ، أو : إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى ، لخر العالم وتبددت قوائمه ، غضبا على من تفوه بها . قال محمد بن كعب : كاد أعداء اللّه أن يقيموا علينا الساعة ، يعنى : لأن ما ذكر أوصاف الساعة . وذلك
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
أي : تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض ، وتنهدم الجبال ؛ لأجل أن دعوا ، أي : نسبوا أو سموا للرحمن ولدا ،
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
أي : قالوا اتخذ الرحمن ولدا ، أو دعوا له ولدا ، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد ؛ لاستحالته عليه تعالى . ووضع الرحمن موضع الضمير ؛ للإشعار بعلية الحكم ؛ لأن كل ما سواه تعالى منعّم عليه برحمته ، أو نعمة من أثر الرحمة ، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها ، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا ، وقد صرح به قوله عز قائلا :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين
إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
؛ مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية .
لَقَدْ أَحْصاهُمْ
أي : حصرهم وأحاط بهم ، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه ، وقبضة قدرته وقهريته ، ما وجد منهم وما سيوجد ، وما يقدر وجوده لو وجد ، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره ، لا خروج لشئ عنه ، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شئ ، وأنه عالم بكل شئ ، جملة وتفصيلا ،
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
أي : وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع ، متفردا بعمله ، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا ؟ ! . وفي الحديث القدسي : « قال اللّه تعالى : كذّبنى عبدي ، ولم يكن له ذلك ، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك ، أما تكذيبه إياي ؛ فأن يقول : من يعيدنا كما بدأنا ؟ وأما شتمه إياي ؛ فأن يقول : اتخذ اللّه ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفوا أحد » « 1 » . وهو في البخاري . وفي صيغة اسم الفاعل في قوله :
آتِيهِ
من الدلالة على إتيانهم كذلك البتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه البخاري ( في تفسير سورة الإخلاص ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .