تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
أي : ذلا وهوانا ؛ لأنهم تعززوا بمخلوق بسخط الخالق ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « من طلب رضا المخلوق بمعصية الخالق عاد حامده من الناس ذاما » « 1 » . وتكون عونا عليهم ، وآلة لعذابهم ، حيث تجعل وقود النار وحصب جهنم ، أو تكون الكفرة ضدا وأعداء للآلهة ، كافرين بها ، بعد أن كانوا يحبونها كحب اللّه ، ويعبدونها من دون اللّه ، وتوحيد الضد ؛ لتوحيد المعنى الذي عليه تدور مضادتهم ، فإنهم بذلك كشىء واحد ، كقوله عليه الصلاة والسلام : « وهم يد على من سواهم » « 2 » . وسبب عبادتهم للأصنام تزيين الشيطان ، وفاء بقوله :
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
« 3 » كما قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ
أي : سلطهم عليهم ومكنهم من إغوائهم ، بقوله تعالى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ
« 4 » الآية . وهذا تعجيب لرسوله صلى اللّه عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة عن هؤلاء الكفرة ، العتاة المردة ، من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل ، والتمادي في الغى ، والانهماك في الضلال ، والتصميم على الكفر ، من غير صارف يلويهم ، ولا عاطف يثنيهم ، وإجماعهم على مدافعة الحق بعد اتضاحه ، وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم ، لا أن له مسوغا في الجملة ، أي : ألم تر ما فعلت الشياطين بالكفرة حتى صدر منهم ما صدر من تلك القبائح والعظائم ، وليس المراد تعجيبه عليه السّلام من مطلق إرسال الشياطين عليهم ، كما يوهمه تقليل الرؤية ، بل عما صدر عنهم من حيث إنها من آثار إغواء الشياطين ، كما ينبئ عنه قوله تعالى :
تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
أي : تغريهم وتهيجهم على المعاصي تهييجا شديدا ، بأنواع الوساوس والتسويلات . فالأز والاستفزاز أخوان ، معناهما : شدة الانزعاج ، وجملة
( تَؤُزُّهُمْ )
: حال مقدرة من الشياطين ، أو استئناف وقع جوابا عن صدر الكلام ، كأنه قيل : ماذا تفعل بهم الشياطين ؟ قال :
( تَؤُزُّهُمْ أَزًّا )
.
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
بأن يهلكوا حسبما تقتضى جناياتهم ويبيدوا عن آخرهم ، وتطهر الأرض من فسادهم ،
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
أي : لا تستعجل بهلاكهم ، فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس قلائل نعدها عدا ، ثم نأخذهم أخذا . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه البزار ( كشف الأستار 4 / 218 ) من حديث السيدة عائشة . وقال الهيثمي في المجمع : ( 10 / 228 ) : رواه البزار من طريق قطبة بن العلاء عن أبيه ، وكلاهما ضعيف . وورد معنى الحديث عند الترمذي ، ولفظه : « من التمس رضا الناس بسخط اللّه ، سخط اللّه عليه ، وأسخط الناس عليه » . ( 2 ) طرف من حديث أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 122 ) وأبو داود في : ( الديات ، باب إيقاد المسلم بالكافر ) ، والنسائي في ( القسامة ، باب القود بين الأحرار والعبيد ) من حديث سيدنا على . ( 3 ) من الآية 39 من سورة الحجر . ( 4 ) من الآية 64 من سورة الإسراء 43 .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 361 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان