تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
الإشارة : كل من اتخذ شيئا يتعزز به من دون اللّه وطاعته انقلب عليه ذلا وهوانا ، ولذلك قيل : « من تعزز بمخلوق مات عزه » . فإن أردت عزا لا يفنى فلا تتعزز بعز يفنى ، وهو التعزز بالمال أو الجاه ، أو غير ذلك مما يفنى ، وسيأتي عند قوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
« 1 » .
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
« 2 » زيادة بيان . وكما أرسل الحق تعالى الشياطين على الكافرين تزعجهم إلى المعاصي أرسل الملائكة والواردات الإلهية إلى المؤمنين تنهضهم إلى طاعة اللّه ، وتزعجهم إلى السير لمعرفة اللّه . فالملائكة تحرك العبد إلى الطاعة ، والواردات تزعجه إلى الحضرة ، تخرجه عن عوائده وتدمغ له من علائقه ، وعوائقه ، حتى ينفرد لحضرة الحق : وفي الحكم : « الوارد يأتي من حضرة قهار ، لأجل ذلك لا يصادمه شئ إلا دمغه ؛
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ »
. وقال أيضا : « متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك ؛ « إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها » . وقال القشيري على قوله :
( تَؤُزُّهُمْ أَزًّا )
: أي : تزعجهم إزعاجا ، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وظلمة ، وخاطر الحقّ يكون بروح وسكون ، وهذه إحدى الفوارق بينهما . ه . قلت : ومن الفوارق أيضا : أن خاطر الحق لا يأمر إلا بالخير مع برودة وانشراح في القلب وسكون وأناة . . وفي الحديث « العجلة من الشيطان ، والأناة من الرحمن » « 3 » . ه . بخلاف خاطر الشيطان ؛ فإنه لا يأمر إلا بالشر ، وقد يأمر بالخير إذا كان يجرّ به إلى الشر ، وعلامته أن يكون فيه ظلمة ودخن وعجلة وبطش ، وقد استوفى الكلام عليهم في النصيحة الكافية . وباللّه التوفيق . ثم ذكر مآل فريق الإيمان وفريق الضلال ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 85 إلى 87 ]

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) قلت :
( يَوْمَ نَحْشُرُ )
: إما ظرف لفعل مؤخر ؛ للإشعار بضيق العبارة عن حصره ؛ لكمال جماله أو فظاعته ، والتقدير : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ، ونسوق المجرمين ، نفعل بالفريقين ما لا يفي به نطاق المقال ، أو ظرف لا ذكر ، و
( وَفْداً )
و
( وِرْداً )
: حالان .
هامش
( 1 ) من الآية 10 من سورة فاطر . ( 2 ) من الآية 8 من سورة المنافقون . ( 3 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 104 ) بتقديم وتأخير ، من حديث أنس بن مالك ، وعزاه في مجمع الزوائد لأبى يعلى عن أنس ، وقال : ورجاله رجال الصحيح .