تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
التوحيد ، وجولان الروح في فضاء أسرار التفريد . وظل روحها وريحانها دائم ، وهو : سكون القلب إلى اللّه ، وفرح الروح بشهود اللّه . وإليه أشار ابن الفارض بقوله ، رحمه اللّه ، في وصف خمرتها :
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ * أقامت به الأفراح وارتحل الهمّ
تلك عقبى الذين اتقوا السّوى ، وعقبى المنكرين لوجود أهل هذه الجنة نار القطيعة والبعد . أعاذنا اللّه من ذلك . ثم ذكر حال الفريقين : أهل الفرح باللّه ، وأهل الإنكار على أحباء اللّه ، فقال :

[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ( 37 ) قلت :
حُكْماً
: حال من ضمير
أَنْزَلْناهُ
. يقول الحق جل جلاله ، في حق من سبقت له السعادة :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
؛ كعبد اللّه بن سلام ومخيريق وأصحابهما ، ومن أسلم من النصارى ، وهم : ثمانون رجلا : أربعون بنجران ، وثمانية باليمن ، واثنان وثلاثون من الحبشة . أو : كل من آمن من أهل الكتاب ، فإنهم كانوا
يَفْرَحُونَ
بما يوافق كتبهم . ثم ذكر ضدهم فقال :
وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
أي : ومن كفرتهم الذين تحزبوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالعداوة والشحناء ؛ ككعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود ، والعاقب والسيد وأشياعهما من النصارى ،
مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
، وهو ما يخالف شرائعهم التي نسخت به ، أو ما يوافق ما حرّفوا منها .
قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ
، وهو جواب للمنكرين ، أي : قل لهم : إنما أمرت فيما أنزل إلىّ أن أعبد اللّه وأوحده ، وهو العمدة في الأديان كلها ، فلا سبيل لكم إلى إنكاره . وأما إنكاركم ما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام ؛ لأنها تابعة للمصالح والعوائد ، وتتجدد بتجددها .
إِلَيْهِ أَدْعُوا
لا إلى غيره ،
وَإِلَيْهِ مَآبِ
أي : وإليه مرجعي بالبعث لا إلى غيره . وهذا هو القدر المتفق عليه من الشرائع ، وهو الأمر بعبادة اللّه وحده ، والدعاء إليه ، واعتقاد المآب إليه ، وهو الرجوع بالبعث يوم القيامة ؛ فلا يخالف ما قبله من الشرائع ، فلا معنى للإنكار حينئذ .