تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
فالسفلى : أن يفعل العبادة للّه تعالى ، طالبا لعوض دنيوي ، كسعة الأرزاق ، وحفظ الأموال والبدن ، فهذا إخلاص العوام ، وإنما كان إخلاصا لأنهم لم يلاحظوا مخلوقا في عملهم . والوسطى : أن يعبد اللّه مخلصا ، طالبا لعوض أخروي ، كالحور والقصور . والعليا : أن يفعل العبادة قياما برسم العبودية ، وأدبا مع عظمة الربوبية ، غير ملتفت لجنة ولا نار ، ولا دنيا ولا آخرة ، مع تعظيم نعيم الجنان ، لأنه محل اتصال الرؤية ؛ كما قال ابن الفارض رضي اللّه عنه :
ليس شوقى من الجنان نعيما * غير أنى أريدها لأراك
فإذا تحقق للعبد مقام الإخلاص الكامل ، صار مقربا نجيا في محل المشاهدة والمكالمة . وباللّه التوفيق . ثم ذكر نبيه إسماعيل عليه السّلام فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 54 إلى 55 ]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 54 ) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( 55 ) يقول الحق جل جلاله :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ
، فصل ذكره عن أبيه وأخيه ؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمره ، لإيراده مستقلا بترجمته ،
إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
، هذا تعليل لموجب الأمر بذكره . وإيراده عليه السّلام بهذا الوصف ؛ لكمال شهرته به . روى أنه واعد رجلا أن يلقاه في موضع ، فجاء إسماعيل ، وانتظر الرجل يومه وليلته - وقيل : ثلاثة أيام - فلما كان في اليوم الآخر ، جاء الرجل ، فقال له إسماعيل : ما زلت هنا من أمس . وقال الكلبي : انتظره سنة ، وهو بعيد . قال ابن عطية : وقد فعل مثل هذا نبينا صلى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه ، ذكره النقاش وأخرجه الترمذي وغيره ، وذلك في مبايعة وتجارة « 1 » ه . وقال القشيري : وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه ، فصبر على ذلك ، إلى أن ظهر الفداء ، وصدق الوعد دلالة حفظ العهد . ه . وقال ابن عطاء : وعد لأبيه من نفسه الصبر ، فوفى به ، في قوله :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
« 2 » . ه . وهذا مبنى على أنه الذبيح ، وسيأتي تحقيق المسألة إن شاء اللّه « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرج أبو داود في ( الأدب ، باب في العدة ) عن عبد اللّه بن أبي الحمساء ، قال : بايعت النبي صلى اللّه عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث ، وبقيت له بقية ، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ، فنسيت ، ثم ذكرت بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو في مكانه ، فقال : « يا فتى ، لقد شققت على ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك » . ( 2 ) الآية 102 من سورة الصافات . ( 3 ) سبق التعليق على هذه المسألة عند تفسير الآية 124 من سورة البقرة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 342 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان