تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
قلت :
أَ فَمَنْ
مع صلته : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : أفمن هو رقيب على كل شئ أحق أن يعبد أم غيره . أو كمن ليس كذلك ؟ ! . يقول الحق جل جلاله :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ
؛ أي : حفيظ رقيب على عمل كل نفس
بِما كَسَبَتْ
من خير أو شر ، لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، ولا يفوت عنده شئ من جزائهم ، أحق أن يعبد أم غيره ؟ . أو كمن ليس كذلك ممن هو جماد لا يسمع ، ولا يعقل ! ! .
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ
بعد هذا البيان التام ،
قُلْ
لهم :
سَمُّوهُمْ
أي : اذكروا أسماءهم ، فلا تجدون إلا أسماء إناث ؛ كاللات والعزى ومناة ، أو أسماء أحجار وخشب ؛ فبأي وجه تستحق أن تعبد ، وتشرك مع اللّه في ألوهيته ؟ .
أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ
؛ بل أتخبرونه بما لا يعلم وجوده في الأرض ، وهذا تهكم بهم ، كأنهم علموا استحقاق الأصنام العبادة ، ولم يعلمها الحق تعالى ، وهو محال . والمعنى : أن اللّه لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم فليسوا بشئ ، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم ؟
أَمْ
تسمونهم شركاء ،
بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ
، من غير حقيقة واعتبار معنى ، كتسمية الخبث مسكا ، والبول عطرا .
بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ
أي : انخداعهم وغرورهم حتى توهموا الباطل حقا ، أو مكرهم بالإسلام وكيدهم لأهله ،
وَصُدُّوا
« 1 »
عَنِ السَّبِيلِ
أي : وصدوا الناس عن طريق الحق ، حيث منعوهم من الإسلام . ومن قرأ بضم الصاد مبنيا للمفعول فمعناه : صدّهم الشيطان عن طريق الحق وضلوا عنه .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
أي : من يخذله اللّه فليس له من يوفقه غيره .
لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بالقتل والأسر ، وسائر ما يصيبهم من المصائب ،
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ
؛ لشدته ودوامه ،
وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
أي : من عذابه
مِنْ واقٍ
يقيهم ويعصمهم منه . الإشارة : كل من تحقق أن اللّه قائم عليه استحيا منه أن يسئ الأدب بين يديه ، يقول اللّه تعالى في بعض الأخبار : « إن كنتم تعتقدون أنى لا أراكم ، فالخلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم ؟ » . وكل من وقف مع الأسباب واعتمد عليها ، أو طمع في الخلق وركن إليهم ، فقد جعل للّه شركاء ، فيقال له : سمّ هؤلاء تجدهم خلقا عاجزين ، لا قدرة لهم على شئ ، ولا ينفعوك بشئ إلا ما قسم اللّه لك في الأزل . بل زين لضعفاء اليقين مكرهم ، حتى انخدعوا وافتتنوا برؤية الأسباب ، أي : كفروا كفرا دون كفر ؛ بأن شكّوا في
هامش
( 1 ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي ، بضم الصاد ، على البناء للمفعول ، وقرأ الباقون بالفتح على البناء للفاعل . . انظر الإتحاف ( 2 / 162 ) .