تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
ثم قال :
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
أي : وقد أوجدت أصلك « آدم » من العدم ، ثم نشأت أنت من صلبه ، ولم تك شيئا ، فإن نشأة آدم عليه السّلام وتصويره منطوية على نشأة أولاده ، ولذلك قال في آية أخرى :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
« 1 » الآية . انظر تفسير أبى السعود .
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
أي : علامة تدلني على تحقق المسؤول ، وبلوغ المأمول ، وهو حمل المرأة بذلك الولد ، لأتلقى تلك النعمة العظيمة بالشكر حين حدوثها ، ولا أؤخر الشكر إلى وقت ظهورها ، وينبغي أن يكون سؤاله الآية بعد البشارة ببرهة من الزمان ؛ لما يروى أن ( يحيى كان أكبر من عيسى - عليهما السلام - بستة أشهر ، أو بثلاث سنين ) ، ولا ريب في أن دعاء زكريا عليه السّلام كان في صغر مريم ، لقوله تعالى :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
« 2 » ، وهي إنما ولدت عيسى عليه السّلام وهي بنت عشر سنين ، أو ثلاث عشرة سنة ، أو يكون تأخر ظهور الآية إلى قرب بلوغ مريم - عليها السلام .
قالَ
له تعالى :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
أي : أن لا تقدر على أن تكلم الناس مع القدرة على الذكر ،
ثَلاثَ لَيالٍ
بأيامهن ، للتصريح بها في آل عمران « 3 » ، حال كونك
سَوِيًّا
أي : سوىّ الخلق سليم الجوارح ، مابك شائبة بكم ولا خرس ، وإنما منعت بطريق الاضطرار مع كمال الأعضاء . وحكمة منعه ؛ لينحصر كلامه في الشكر والذكر في تلك الأيام .
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ
: من المصلّى ، وكان مغلقا عليه ، فالمحراب مكان التعبد ، أو من الغرفة ، وكانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب ، ليدخلوا ويصلوا ، إذ خرج عليهم متغيرا لونه ، فأنكروه ، وقالوا له : مالك ؟
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ
أي : أومأ إليهم ، وقيل : كتب في الأرض :
أَنْ سَبِّحُوا
أي : صلوا
بُكْرَةً وَعَشِيًّا
: صلاة الفجر وصلاة العصر ، ولعلها كانت صلاتهم . أو : نزهوا ربكم طرفي النهار ، ولعله أمر أن يسبح فيها شكرا ، ويأمر قومه بذلك . والله تعالى أعلم . الإشارة : إجابة الدعاء مشروطة بالاضطرار ، قال تعالى :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
« 4 » وفي الحكم : « ما طلب لك شئ مثل الاضطرار ، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار » . فإذا اضطررت إلى مولاك ، فلا محالة يجيب دعاك ، لكن فيما يريد لا فيما تريد ، وفي الوقت الذي يريد ، لا في الوقت الذي تريد . فلا تيأس ولا تستعجل
( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
. فإذا رأيت مولاك أجابك فيما سألته ، فاجعل كلامك كله في شكره وذكره ، واستفرغ أوقاتك ، إلا من شهود إحسانه وبره . وبالله التوفيق .
هامش
( 1 ) الآية 11 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 38 من سورة آل عمران . ( 3 ) في قوله تعالى :قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاًالآية 41 . ( 4 ) من الآية 62 من سورة النمل .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 322 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان