تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
ثم ذكر وصيته ليحيى عليه السّلام ونعوته ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 12 إلى 15 ]

يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) . قلت :
« صَبِيًّا »
: حال من مفعول
« آتَيْناهُ »
، و
« حَناناً »
و
« زَكاةً »
: عطف على
« الْحُكْمَ »
. و
« مِنْ لَدُنَّا »
: متعلق بمحذوف ، صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية ، أي : وآتيناه الحكم وتحنّنا عظيما واقعا من جنابنا ، أو شفقة في قلبه ورحمة على أبويه وغيرهما . قال ابن عباس : ( ما أدرى ما حنانا إلا أن يكون تعطف رحمة الله على عباده ) . ومنه قولهم : « حنانيك » ، مثل سعديك ، وأصله : من حنين الناقة على ولدها ، و
( بَرًّا )
: عطف على
« تَقِيًّا »
. يقول الحق جل جلاله :
يا يَحْيى
أي : قلنا يا يحيى ، وهذا استئناف طوى قبله جمل كثيرة ، مما يدل على ولادته ونشأته ، حتى أوحى إليه ، ثم قال له :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ
أي : التوراة ، وقيل : كتاب خص به ، فدلت الآية على رسالته . وفي تفسير ابن عرفة : أن يحيى رسول كعيسى . ه . وقوله :
بِقُوَّةٍ
أي : بجد واجتهاد ، وقيل : بالعمل به ،
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
، قال ابن عباس : ( الحكم هنا النبوة ، استنبأه وهو ابن ثلاث سنين ) ، قلت : كون الصبى نبيا جائز عقلا ، واقع عند الجمهور ، وأما بعثه رسولا فجائز عقلا ، وظاهر كلام الفخر « 1 » هنا أنه واقع ، وأن يحيى وعيسى بعثا صغيرين . وقال ابن مرزوق في شرح البخاري ما نصه : ( الأعم : بعث الأنبياء بعد الأربعين ) ؛ لأنه بلوغ الأشد ، وقيل : أرسل يحيى وعيسى - عليهما السلام - صبيين . وقال ابن العربي : يجوز ، ولم يقع . وقول عيسى عليه السّلام : ( إني عبد اللّه ) إخبار عما وجب في المستقبل ، لا عما حصل . واستشكل جواز بعث الصبى بأنه تكليف ، وشرطه : البلوغ ، إن كانت الشرائع فيه سواء . انظر المحشى الفاسي . قلت : والذي يظهر أن يحيى وعيسى - عليهما السلام - تنبئا صغيرين ، وأرسلا بعد البلوغ . والله تعالى أعلم . وقيل : الحكم : الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين . روى أنه دعاه الصبيان إلى اللعب ، فقال : ما للعب خلقت .
وَ
آتيناه
حَناناً
أي : تحنّنا عظيما
مِنْ لَدُنَّا
: من جناب قدسنا ، أو تحننا من الناس عليه . قال عوف : الحنان المحبّب ،
وَزَكاةً
: طهارة من العيوب والذنوب ، أو صدقة تصدقنا به على أبويه ، أو : وفّقناه للتصدق على الناس .
وَكانَ تَقِيًّا
؛ مطيعا للّه ، متجنبا للمعاصي ،
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
: لطيفا بهما محسنا إليهما ،
هامش
( 1 ) أي الفخر الرازي في تفسيره .