تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
أي : ابيضّ شمطا . شبه عليه السّلام الشيب من جهة البياض والإنارة بشواظ النار ، وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وهو الرأس ، وأخرجه مخرج التمييز ، ففيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ما لا يخفى ، حيث كان الأصل : واشتعل شيب رأسي ، فأسند الاشتعال إلى الرأس ؛ لإفادة شموله لكلها ، فإن وزانه : اشتعل بيته نارا بالنسبة إلى اشتعلت النار في بيته ، ولزيادة تقريره بالإجمال أولا ، والتفصيل ثانيا ، ولمزيد تفخيمه بالتكثير من جهة التنكير . ثم قال :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
أي : لم أكن بدعائى إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل ، بل كنت كلما دعوتك استجبت لي . توسل إلى اللّه بسابق حسن عوائده فيه ، لعله يشفع له ذلك بمثله ، إثر تمهيد ما يستدعى ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال . والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع ، ولذلك قيل : من أراد أن يستجاب له فليدع الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته . ثم قال :
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ
أي : الأقارب ، وهم : بنو عمه ، وكانوا أشرار بني إسرائيل ، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته ، فسأل الله تعالى ولدا صالحا يأمنه على أمته . وقوله :
مِنْ وَرائِي
: متعلق بمحذوف ، أي : جور الموالي ، أو مما في الموالي من معنى الولاية ، أي : خفت أن يلوا الأمر من ورائي ،
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
: لا تلد من حين شبابها ،
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
أي : أعطني من محض فضلك الواسع ، وقدرتك الباهرة ، بطريق الاختراع ، لا بواسطة الأسباب العادية ؛ لأن التعبير بلدنّ يدل على شدة الاتصال والالتصاق ،
وَلِيًّا
: ولدا من صلبي ، يليى الأمر من بعدي . والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن ما ذكره عليه السّلام من كبر السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب ، فاستوهبه على الوجه الخارق للعادة ، ولا يقدح في ذلك أن يكون هناك داع آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور ، من مشاهدته للخوارق الظاهرة عند مريم ، كما يعرب عنه قوله تعالى :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
« 1 » . وعدم ذكره هنا اكتفاء بما تقدم ، فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من النكتة التنزيلية . وقوله :
يَرِثُنِي
: صفة لوليّا ، وقرئ بالجزم هو وما عطف عليه جوابا للدعاء ، أي : يرثني من حيث العلم والدين والنبوة ، فإن الأنبياء - عليهم السلام - لا يورثون من جهة المال . قال : صلى اللّه عليه وسلم « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » « 2 » . وقيل : يرثني في الحبورة ، وكان عليه السّلام حبرا .
هامش
( 1 ) من الآية 38 من سورة آل عمران . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 2 / 463 ) .