تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي
: وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج ، أو بقيام الساعة ؛ بأن شارف قيامها ،
جَعَلَهُ
أي : السد المذكور ، مع متانته ورصانته ،
دَكَّاءَ
: مدكوكا مبسوطا مستويا بالأرض ، وفيه بيان عظمة قدرته تعالى ، بعد بيان سعة رحمته ،
وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
: كائنا لا محالة . روى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ يأجوج ومأجوج يحفرون السد ، حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشّمس ، قال الّذى عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا ، فيعيده اللّه كأشدّ ما كان ، حتّى إذا بلغت مدّتهم ، حفروا ، حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشّمس ، قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء اللّه ، فيعودون إليه ، وهو على هيئته كما تركوه ، فيحفرونه فيخرجون على النّاس » « 1 » . وسيأتي في الأنبياء تمام قصة خروجهم ، إن شاء اللّه ، وهذا آخر كلام ذي القرنين . قال تعالى :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ
: يوم مجىء الوعد ، ويخرجون ،
يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
؛ يزدحمون في البلاد ، أو : يموج بعض الخلق في بعض ، فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم ، حيارى من شدة الهول . روى أنهم يأتون البحر فيشربونه ويأكلون دوابه ، ثم يأكلون الشجر وما ظفروا به ، ممن لم يتحصن منهم من الناس ، ولا يقدرون على دخول مكة والمدينة وبيت المقدس ، ثم يبعث اللّه عليهم مرضا في رقابهم ، فيموتون مرة واحدة ، فيرسل اللّه طيرا فترميهم في البحر ، ثم يرسل مطرا تغسل الأرض منهم ، ثم توضع فيها البركة ، وهذا بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السّلام ، ثم تنقرض الدنيا ، كما قال تعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
؛ لقيام الساعة ،
فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً
، وسكت الحق تعالى عن النفخة الأولى ؛ اكتفاء بذكرها في موضع آخر ، أي : جمعنا الخلائق بعد ما تفرقت أوصالهم ، وتمزقت أجسادهم ، في صعيد واحد ؛ للحساب والجزاء ، جمعا عجيبا لا يكتنه كنهه ،
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ
؛ أظهرناها وأبرزناها
يَوْمَئِذٍ
أي : يوم إذ جمعنا الخلائق كافة ،
لِلْكافِرِينَ
منهم ، بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظا وزفيرا ،
عَرْضاً
فظيعا هائلا لا يقدر قدره ، وخص العرض بهم ، وإن كان بمرأى من أهل الموقف قاطبة ؛ لأن ذلك لأجلهم . ثم ذكر وصفهم بقوله :
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ
وهم في الدنيا
فِي غِطاءٍ
كثيف وغشاوة غليظة
عَنْ ذِكْرِي
: عن سماع القرآن وتدبره ، أو : عن ذكرى بالتوحيد والتمجيد ، أو كانت أعين بصائرهم في غطاء عن ذكرى على وجه يليق بشأنى ،
وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
أي : وكانوا مع ذلك ؛ لفرط تصاممهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، لا يستطيعون استماعا منه لذكرى وكلامي ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية ، كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه ، مطولا ، أحمد في المسند ( 2 / 510 ) ، والترمذي في ( التفسير ) ، وابن ماجة في ( الفتن ، باب فتنة الرجال ) ، من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 308 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان