تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
وقال في القوت : قوله تعالى ، في صفة أعدائه المحجوبين :
كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي
: دليل الخطاب في تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره ، ناظرون إلى غيبه ، قال تعالى في ضده :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
« 1 » ، وقال :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ . . .
« 2 » الآية . ه . وسبب غطاء القلوب عن الاستماع والاستبصار هو اتباع الهوى ومحبة غير المولى ، فلذلك أنكره الحق تعالى على الكفار بقوله :

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 102 ]

أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً ( 102 ) قلت :
أَنْ يَتَّخِذُوا
: سد مسد المفعولين ، أو حذف الثاني ، أي : أحسبوا اتخاذهم نافعهم و
نُزُلًا
: حال من جهنم . يقول الحق جل جلاله ؛ منكرا على الكفار المتقدمين :
أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
حين أعرضوا عن ذكرى ، وكانت أعينهم في غطاء عن رؤية دلائل توحيدي ،
أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي
كالملائكة والمسيح وعزير ، أو الشياطين ؛ لأنهم عباد ،
مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ
أي : معبودين من دونى ، يوالونهم بالعبادة ، أن ذلك ينفعهم ، أو : ألا نعذبهم على ذلك ، بل نعذبهم على ذلك ،
إِنَّا أَعْتَدْنا
؛ يسّرنا وهيأنا
جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا
أي : شيئا يتمتعون به أول ورودهم القيامة . والنزل : ما يقدم للنزيل أي : الضيف ، وعدل عن الإضمار ؛ ذما لهم على كفرهم ، وإشعارا بأن ذلك الاعتداد بسبب كفرهم ، وعبّر بالإعتاد ؛ تهكما بهم ، وتخطئة لهم ، حيث كان اتخاذهم أولياء من قبيل العتاد ، وإعداد الزاد ليوم المعاد ، فكأنه قيل : إنا اعتدنا لهم ، مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذّخر ، جهنم ؛ عدة لهم . وفي ذكر النزل : إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له ، وتستحقر دونه ، وقيل : النزل : موضع النزول ، أي : أعتدناها لهم منزلا يقيمون فيه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا ، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدا ، فأفرد قلبك للّه ، وأخرج منه كلّ ما سواه ، فحينئذ تكون عبدا للّه ، حرا مما سواه ، فكل ما سوى اللّه باطل ، وظل آفل ، فكن إبراهيميا ، حيث قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
« 3 » ، فارفع أيها العبد همتك عن الخلق ، وعلقها بالملك الحق ، فلا تحب إلا اللّه ، ولا تطلب شيئا
هامش
( 1 ) من الآية 20 من سورة هود . ( 2 ) الآية 24 من سورة هود . ( 3 ) من الآية 76 من سورة الأنعام .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 310 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان