تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ
: جمع زبرة ، وهي القطعة الكبيرة ، وهذا لا ينافي رد خراجهم ؛ لأن المأمور الإيتاء بالثمن أو المناولة ، كما ينبئ عنه قراءة : « ائتوني » ؛ بوصل الهمزة ، أي : جيئونى بزبر الحديد ، على حذف الباء ، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة ، دون الخراج على العمل . قال القشيري : استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم ، ولم يأخذ منهم عمالة ؛ لما رأى أن من الواجب عليه حق الحماية على حسب المكنة . ه . ولعل تخصيص الأمر بالإتيان بها دون سائر الآلات ؛ من الفحم والحطب وغيرهما ؛ لأن الحاجة إليها أمس ؛ لأنها الركن في السد ، ووجودها أعز . قيل : حفر الأساس حتى بلغ الماء ، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب ، والبنيان من زبر الحديد ، وجعل بينهما الفحم والحطب ، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ، وكان بينهما مائة فرسخ ، وذلك قوله تعالى :
حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
، وقرئ بضمهما « 1 » ، أي : ما زال يبنى شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين ناصيتي الجبلين من البنيان مساويا لهما في السّمك . قيل : كان ارتفاعه : مائتي ذراع ، وعرضه : خمسون ذراعا . وقرئ ( سوّى ) ؛ بالتشديد ، من التسوية . فلما سوّى بين الجبلين بالبناء ،
قالَ
للعملة :
انْفُخُوا
النيران في الحديد المبنى ، ففعلوا
حَتَّى إِذا جَعَلَهُ
أي : المنفوخ فيه
ناراً
أي : كالنار في الحرارة والهيئة . وإسناد الجعل إلى ذي القرنين ، مع أنه من فعل العملة ؛ للتنبيه على أنه العمدة في ذلك ، وهم بمنزلة الآلة .
قالَ
للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها :
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
أي : آتوني نحاسا مذابا أفرغه عليه ، وإسناد الإفراغ إلى نفسه ، لما تقدم .
فَمَا اسْطاعُوا
أي : استطاعوا
أَنْ يَظْهَرُوهُ
أي : يعلوه بالصعود لارتفاعه ، والفاء فصيحة ، أي : ففعلوا ما أمرهم به من إيتاء القطر ، فأفرغوه عليه ، فاختلط والتصق بعضه ببعض ، فصار جبلا صلدا ، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه أو ينتقبوه
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
؛ لارتفاعه وملاسته ،
وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً
؛ لصلابته ، وهذه معجزة له ؛ لأن تلك الزبر الكبيرة إذا أثرت فيها حرارة النار لا يقدر أحد أن يجول حولها ، فضلا عن إفراغ القطر عليها ، فكأنه تعالى صرف النار عن أبدان المباشرين للأعمال . واللّه على كل شئ قدير .
قالَ
ذو القرنين ، لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم :
هذا
أي : السد ، أو تمكينه منه ،
رَحْمَةٌ
عظيمة
مِنْ رَبِّي
على كافة العباد ، لا سيما على مجاوريه ، وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق ، بل هو إحسان إلهي محض ، وإن ظهر بمباشرتى . والتعرض لوصف الربوبية ؛ لتربية معنى الرحمة .
هامش
( 1 ) أي : الصاد والدال في « الصدفين » . وهي قراءة ابن كثير ، وأبى عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب . وقرأ أبو بكر : بضم الصاد وإسكان الدال ، وقرأ الباقون بفتحهما . . انظر الإتحاف ( 2 / 227 ) .