تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
سد ذو القرنين على إحدى وعشرين ، وبقيت واحدة ، فسموا الترك ؛ لأنهم تركوا خارجين . قال أهل التاريخ : أولاد نوح عليه السّلام ثلاثة : سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب والعجم والروم ، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ، ويافث أبو الترك والخرز والصقالبة ويأجوج ومأجوج . ه . وقرئ بالهمز فيهما ؛ لأنه من أجيج النار ، أي : ضوؤها وشررها ، شبهوا به في كثرتهم وشدتهم ، وهو غير منصرف ؛ للعجمة والعلمية .
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ
، إما أن يكون قالوه بواسطة ترجمان ، أو يكون فهم كلامهم ، فيكون من جملة ما آتاه اللّه تعالى من الأسباب ، فقالوا له :
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
« 1 » ، قد تقدم أنهم من أولاد يافث . وما يقال : إنهم من نطفة احتلام آدم لم يصح ، واختلف في صفاتهم ، فقيل : في غاية صغر الجثة وقصر القامة ، لا يزيد قدمهم على شبر ، وقيل : في نهاية عظم الجسم وطول القامة ، تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعا ، وفيهم من عرضه كذلك . قال عبد اللّه بن مسعود : سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج ، فقال : « هم أمم ، كل أمة أربع مائة ألف ، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه ، كلهم قد حمل السلاح » ، قيل : يا رسول اللّه صفهم لنا ، قال : « هم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال الأرز - وهو شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع - وصنف عرضه وطوله سواء ، عشرون ومائة ذراع ، وصنف يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى ، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ، ومن مات منهم أكلوه ، مقدّمتهم بالشام ، وساقتهم بخراسان ، يشربون أنهار المشرق ، وبحيرة طبرية » . « 2 » . فقالوا له :
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أي : في أرضنا ، بالقتل ، والتخريب ، وإتلاف الزرع ، قيل : كانوا يخرجون أيام الربيع ، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ، ولا يابسا إلا احتملوه ، وكانوا يأكلون الناس أيضا .
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً
أي : جعلا من أموالنا
عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
؛ بالفتح وبالضم ، أي : حاجزا يمنعهم منا ؟
قالَ ما مَكَّنِّي
- بالفك وبالإدغام - أي : ما مكننى
فِيهِ رَبِّي
، وجعلني فيه مكينا قادرا من الملك والمال وسائر الأسباب ،
خَيْرٌ
من جعلكم ، فلا حاجة لي به ،
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ
الأبدان وعمل الأيدي ، كصنّاع يحسنون البناء والعمل ، وبآلات لا بد منها في البناء ،
أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
أي : حاجزا حصينا ، وبرزخا مكينا ، وهو أكبر من السد وأوثق ، يقال : ثوب مردم ؛ إذا كان ذا رقاع فوق رقاع ، وهذا إسعاف لهم فوق ما يرجون .
هامش
( 1 ) هذه قراءة الجماعة ؛ ( بدون همز ) ، وقرأ عاصم بالهمز . . انظر إتحاف فضلاء البشر ( 2 / 225 ) . ( 2 ) عزاه السيوطي في الدر ( 4 / 450 ) لابن أبي حاتم ، وابن مردويه وابن عدي ، وابن عساكر ، وابن النجار ، وفيه أن السائل هو حذيفة .