تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
الإشارة : ذو القرنين لمّا أقبل بكليته على مولاه ، ودعا إلى اللّه ، ونصح للّه ، مكّنه اللّه تعالى من الأرض ، ويسر له أموره ، حتى قطع مشارقها ومغاربها ، وكذلك من انقطع إلى اللّه ، ورفع همته إلى مولاه ، وأرشد الخلق إلى اللّه ، تكون همته قاطعة ، يقول للشئ كن فيكون ، بقدرة اللّه وقدره . وسخر له الكون بأسره ، يكون عند أمره ونهيه « أنت مع الأكوان مالم تشهد المكون ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك » ، يقول اللّه تعالى ، في بعض كلامه : « يا عبدي كن لي كما أريد ، أكن لك كما تريد » . قال القشيري : ذو القرنين مكّن له في الأرض جهرا ، فكانت تطوى له إذا قطع أحوازها ، وسهل له أن يندرج في مشارقها ومغاربها ، ويحظر أقطارها ومناكبها ، ومن كان في محل الإعانة من الأولياء ؛ فالحق سبحانه يمكنه في المملكة ، ليحصل عند همته ما أراد من حصول طعام أو شراب ، أو غيره من قطع مسافة ، أو استتار عن أبصار ، وتصديق مأمول ، وتحقيق سؤال ، وإجابة دعاء ، وكشف بلاء ، وفوق ذلك تمكينه من تحقيق همه له في أمره ، ثم فوق ذلك في التمكين في أن يحضر بهمتهم قوما بما شاءوا ، ويمنع قوما عما شاءوا ، فلهم من الحق تحقيق أمل ، إذا تصرفوا في المملكة بإرادات في سوانح وحادثات ، وفوق هذا التمكين في المملكة إيصال قوم إلى منازل ومحالّ ، فاللّه يحقق فيهم همتهم . ه . قلت : وفوق ذلك كله تمكينهم من شهود ذاته ، في كل وقت وحين ، حتى لو طلبوا الحجاب لم يجابوا ، ولو كلفوا أن يروا غيره لم يستطيعوا ، وهؤلاء هم الذين لهم التمكين في الإيصال إلى منازل السائرين ومحالّ الواصلين . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر سير ذي القرنين إلى جهة المشرق ، فقال :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 89 إلى 91 ]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 89 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ( 90 ) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً ( 91 ) قلت :
مَطْلِعَ
فيه لغتان : الكسر والفتح ، و
كَذلِكَ
: خبر عن مضمر ، أي : أمر ذي القرنين كما وصفنا لك ، أو صفة مصدر محذوف لوجد ، أو
نَجْعَلْ
أي : وجدا أو جعلا كذلك ، أو صفة لقوم ، أي : على قوم مثل ذلك القبيل ، الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم ، أو صفة لستر ، أي : سترا مثل ستركم . يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ أَتْبَعَ
ذو القرنين
سَبَباً
: طريقا راجعا من مغرب الشمس ، موصلا إلى مشرقها ،
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ
أي : الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولا من معمورة الأرض ، قيل : بلغه في اثنتي عشرة سنة ، وقيل : في أقل من ذلك .