تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الإشارة : قد وصف اللّه - تعالى - أهل الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية ؛ الإيمان ، الذي هو الأساس ، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان ، وربط القلب في حضرة الرب ، والقيام في إظهار الحق أو لداعى الوجد ، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق . وقال الورتجبي في قوله تعالى :
وَزِدْناهُمْ هُدىً
: أي : زدناهم نورا من جمالى ، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتى ، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد ؛ لأن نوري لا نهاية له . وقال عند قوله :
إِذْ قامُوا
: قد استدل بهذه الآية بعض المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر ؛ لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حرّكها أنواع الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع . والأصل قوله :
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا
، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قياما بالصورة ، أي : الحسية في القيام الحسى ، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية ، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين ، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن ، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة . ه . قلت : الحاصل : أنا إذا حملنا القيام على الحسى ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع . وإذا حملناه على القيام المعنوي ، وهو النهوض في الشيء ، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك ، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته . واللّه تعالى أعلم . وقال ابن لب : قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر اللّه - تعالى - وقد أباحته الصوفية ، وفعلته ودامت عليه ، واستفادوه من كتاب اللّه تعالى من قوله - عز وجل - في أصحاب الكهف :
إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وإن كانت الآية لها محامل أخر سوى هذا . ه . قلت : وقوله تعالى :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً
« 1 » : صريح في الجواز . وقال في القوت : وقد روينا أنه صلى اللّه عليه وسلم مرّ برجل يظهر التأوه والوجد ، فقال من كان معه : أتراه يا رسول اللّه مرائيا ؟ فقال : « لا ، بل
أَوَّاهٌ مُنِيبٌ »
« 2 » ، وقال لآخر : أظهر صوته بالآية : « أسمع اللّه عز وجل ولا تسمّع » ، فأنكر عليه بما شهد فيه ، ولم ينكر على أبى موسى قوله : ( لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرا ) ؛ لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به ، ولذا كل من كان له حسن قصد ، ونية خير ، في إظهار عمل ، فليس من السمعة والرياء في شئ ؛ لتجرده من الآفة الدنيوية ، وهي الطمع والمدح . ه .
هامش
( 1 ) من الآية 151 من سورة آل عمران . ( 2 ) أخرجه بنحوه أحمد في المسند ( 4 / 159 ) ، والطبراني في الكبير ( 17 / 295 ) ، عن عقبة بن عامر ، وحسّنه الهيثمي في المجمع ( 9 / 372 ) .