تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
الخلوة به تعالى ، والمناجاة معه دون الناس ، فيعطى الخلوة به والمناجاة في القيامة ، فيكون مقاما محمودا ، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم . وأجلّهم فيه ؛ درجة : نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فيعطى من المحامد ما لم يعط قبل ، ويشفّع فيشفع . ه . قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : وقد يقال : إن ذلك مرتب على قوله :
( أَقِمِ الصَّلاةَ . . )
الآية ، ولا يخص بقيام الليل ، والصلاة ، مطلقا مفاتحة للدخول على اللّه ومناجاة له ، ولذلك جاء في حديث الشفاعة افتتاحه بأن « يخر ساجدا حامدا ، فيؤذن حينئذ بالشفاعة » . ومن تواضع رفعه اللّه . ه . الإشارة : قوم اعتنوا بإقامة صلاة الجوارح ، وهم : الصالحون الأبرار ، وقوم اعتنوا بإقامة صلاة القلوب ، التي هي الصلاة الدائمة ، وهم العارفون الكبار ، وقوم اعتنوا بسهر الليل في الركوع والسجود ، وهم العباد والزهاد والصالحون ، أولوا الجد والاجتهاد . وقوم اعتنوا بسهره في فكرة العيان والشهود ، وهم المقربون عند الملك الودود . الأولون يوفّون أجرهم على التمام بالحور والولدان ، والآخرون يكشف لهم الحجاب ويتمتعون بالنظر على الدوام ، الأولون محبون ، والآخرون محبوبون ، الأولون يشفعون في أقاربهم ومن تعلق بهم ، والآخرون قد يشفع واحد منهم في أهل عصره . وما ذلك على اللّه بعزيز . ولما أمره بالقيام بوظائف العبودية ، أمره بالتعلق في أموره كلها بالربوبية ، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 80 إلى 81 ]

وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) يقول الحق جل جلاله :
وَقُلْ
يا محمد :
رَبِّ أَدْخِلْنِي
في الأمور كلها
مُدْخَلَ صِدْقٍ
؛ بأن أدخل فيها بك لا بنفسي ،
وَأَخْرِجْنِي
منها
مُخْرَجَ صِدْقٍ
كذلك ، مصحوبا بالفهم عنك ، والإذن منك في إدخالى وإخراجى . وقيل : أدخلني قبرى مدخل صدق راضيا مرضيا ، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق ، أي : إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة . فيكون تلقينا للدعاء بما وعده من البعث ، المقرون بالإقامة للمقام المحمود ، التي لا كرامة فوقها . وقيل : المراد : إدخال المدينة ، والإخراج من مكة . وقيل : إدخاله - عليه الصلاة والسلام - مكة ؛ ظاهرا عليها ، وإخراجه منها ؛ آمنا من المشركين . وقيل : إدخاله الغار ، وإخراجه منه سالما . وقيل : إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة ، وإخراجه منه مؤديا حقه . وقيل : إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر ، وإخراجه منه بالحفظ والرعاية ، بحيث يدخل باللّه ويخرج باللّه . وهو الراجح كما قدمناه .
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
أي : من مستبطن أمورك ،
سُلْطاناً نَصِيراً
أي : حجة ظاهرة ، تنصرني على من يخالفنى ويعاديني ، أو : عزا ناصرا للإسلام ، مظهرا له على الكفر . فأجيبت دعوته - عليه الصلاة والسلام -
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 224 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان