تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
إذ قالوا للنّبى صلى اللّه عليه وسلم : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب : لا نعشّر ، ولا نحشّر ، ولا نحنى في صلاتنا ، وكلّ ربا لنا فهو لنا ، وكلّ ربا علينا فهو موضوع ، وأن تمتّعنا باللات سنة ، وأن تحّرم وادينا كما حرمت مكة ، فإذا قالت العرب : لم فعلت ؟ فقل : اللّه أمرني بذلك . فأبى عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، وخّيب سعيهم . فالآية ، على هذا ، مدنية . وقيل : في قريش ، قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : لا نمكنك من استلام الحجر ، حتى تلمّ بآلهتنا ، وتمسّها بيدك « 2 » . وقيل : قالوا : اقبل بعض أمرنا ، نقبل بعض أمرك ، والآية ، حينئذ ، مكية كجميع السورة .
وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا
أي : لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا ، ولخرجت من ولايتي ،
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
على ما أنت عليه من الحق ؛ بعصمتنا لك ،
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
من الركون ، الذي هو أدنى ميل ، أي : لولا أن عصمناك ، لقاربت أن تميل إليهم ؛ لقوة خدعهم ، وشدة احتيالهم . لكن عصمتنا منعتك من المقاربة . وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما همّ بإجابتهم ، مع قوة الداعي إليها ، ولا قارب ذلك . وهو دليل على أن العصمة بتوفيق اللّه وحفظه . قاله البيضاوي . وفيه رد على ابن عطية ، حيث قال : قيل : إنه همّ بموافقتهم ، لكن كان ذلك خطرة ، والصواب : عدم ذلك ؛ لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك . وقد أجاد القشيري في ذلك ، ونصه : ضربنا عليك سرادقات العصمة ، وآويناك في كنف الرعاية ، وحفظناك عن خطر اتباع هواك ، فالزّلل منك محال ، والافتراء في نعتك غير موهوم ، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء ؛ لكمال قدرك وعلوّ شأنك ؛ فإنّ كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - أشدّ تأثيرا .
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ . . .
الآية : لو وكلناك ونفسك ، ورفعنا عنك ظلّ العصمة ، لقاربت الإمام بشئ مما لا يجوز من مخالفة أمرنا ، ولكنّا أفردناك بالحفظ ، بما لا تتقاصر عنك آثاره ، ولا تغرب عن ساحتك أنواره .
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ
، هبوط الأكابر على قدر صعودهم . ه .
إِذاً
أي : لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون
لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ
عذاب
الْحَياةِ
،
وَضِعْفَ
عذاب
الْمَماتِ
، أي : مثلي ما يعذّب غيرك في الدنيا والآخرة ؛ لأن خطأ الخطير أخطر . وكأن أصل الكلام : عذابا ضعفا في الحياة ، وعذابا ضعفا في الممات ، أي : مضاعفا ، ثم حذف الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه ، ثم أضيفت
هامش
( 1 ) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : « لم أجده ، وذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند » . وذكره الواحدي في الأسباب ( ص 297 ) بدون سند أيضا . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 15 / 130 ) عن سعيد بن جبير ، بسند ضعيف .