تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
قلت : الدلوك : الميل . واشتقاقه من الدّلك ؛ لأن من نظر إليها حينئذ يدلك عينه . واللام للتأقيت بمعنى : عند . و
( قُرْآنَ )
: عطف على
( الصَّلاةَ )
، أو منصوب بفعل مضمر ، أي : اقرأ قرآن الفجر ، أو على الإغراء . يقول الحق جل جلاله :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ
أي : عند زوال
الشَّمْسِ
، وهو إشارة إلى إقامة الصلوات الخمس ، فدلوك الشمس : زوالها ؛ وهو إشارة إلى الظهر والعصر ، وغسق الليل : ظلمته ، وهو إشارة إلى المغرب والعشاء ،
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
؛ صلاة الصبح ، وإنما عبّر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر ؛ لأن القرآن يقرأ فيها أكثر من غيرها ؛ لأنها تصلى بسورتين طويلتين ، ثم مدحها بقوله :
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
؛ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، أو : يشهده الجم الغفير من المصلين ، أو فيه شواهد القدرة ؛ من تبدل الظلمة بالضياء ، والنوم ، الذي هو أخو الموت ، بالانتباه . ثم أمر بقيام الليل فقال :
وَمِنَ اللَّيْلِ
أي : بعض الليل
فَتَهَجَّدْ بِهِ
أي : اترك الهجود ، الذي هو النوم فيه ، للصلاة بالقرآن ،
نافِلَةً لَكَ
أي : فريضة زائدة لك على الصلوات الخمس ، أو فريضة زائدة لك ؛ لاختصاص وجوبها بك ، أو نافلة زائدة لك على الفرائض ؛ غير واجبة . وكأنه ، لما أمر بالفرائض ، أمر بعدها بالنوافل . وتطوعه - عليه الصلاة والسلام ؛ لزيادة الدرجات ، لا لجبر خلل أو تكفير ذنب ؛ لأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر . و
« مِنَ »
: للتبعيض ، والضمير في
« بِهِ »
: للقرآن . والتهجد : السهر ، وهو : ترك الهجود ، أي : النوم . فالتفعل هنا للإزالة ؛ كالتأثم والتحرج ، لإزالة الإثم والحرج . ثم ذكر ثوابه في حقه - عليه الصلاة والسلام - فقال :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
عندك وعند جميع الناس ، وهي : الشفاعة العظمى . وفيه تهوين لمشقة قيام الليل . روى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « المقام المحمود هو المقام الّذى أشفع فيه لأمّتى « 1 » » . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : مقاما محمودا يحمده فيه الأولون والآخرون ، ويشرف فيه على جميع الخلائق ، يسأل فيعطى ، ويشفع فيشفّع . وعن حذيفة : يجمع الناس في صعيد واحد ، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه ، فأول مدعو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فيقول : « لبيك وسعديك . والشر ليس إليك ، والمهدى من هديت ، وعبدك بين يديك ، وبك وإليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك رب البيت » . ثم يأذن له في الشفاعة . واللّه تعالى أعلم . وقال ابن العربي المعافري في أحكامه : واختلف في وجه كون قيام الليل سببا للمقام المحمود على قولين ، فقيل : إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببا لفضله ، من غير معرفة منا بوجه الحكمة . وقيل : إن قيام الليل فيه
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 441 ) ، والترمذي وحسّنه في ( التفسير ، سورة الإسراء ) ، والبيهقي في الدلائل ( 5 / 484 ) ، وأصل الحديث عند البخاري ومسلم .