تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
بقوله :
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
« 1 » ،
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
« 2 » ،
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ . . .
« 3 » الآية ، وبقوله :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . . .
« 4 » الآية . وذلك حين يظهر الحق ، ويزهق الباطل ، كما قال :
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ
أي : الإسلام أو الوحي ،
وَزَهَقَ الْباطِلُ
؛ ذهب ، وهلك الكفر والشرك ، وتسويلات الشيطان ؛
إِنَّ الْباطِلَ
كائنا ما
كانَ زَهُوقاً
أي : شأنه أن يكون مضمحلا غير ثابت . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل مكّة يوم الفتح ، وحول البيت ثلاثمائة وستّون صنما ، فجعل يطعن بمخصرة « 5 » كانت بيده في عين كل واحد ، ويقول : جاء الحقّ وزهق الباطل ، فينكبّ لوجهه ، حتّى ألقى جميعها ، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة ، وكان من صفر ، « 6 » فقال : يا علىّ ، ارم به ؛ فصعد إليه ، ورمى به ، فكسره « 7 » . ه . الإشارة : إذا تمكن العارفون من شهود حضرة القدس ومحل الأنس ، وصارت معشش قلوبهم ؛ كان نزولهم إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين . فلم ينزلوا إلى سماء الحقوق بسوء الأدب والغفلة ، ولا إلى أرض الحظوظ بالشهوة والمتعة ، بل دخلوا في ذلك باللّه وللّه ، ومن اللّه وإلى اللّه ، كما في الحكم . ثم قال :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني ، وانقيادي إليك إذا أخرجتني .
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً
ينصرني ولا ينصر علىّ ، ينصرني على شهود نفسي ، حتى أغيب عنها وعن متعتها وهواها ، ويفنينى عن دائرة حسى ، حتى تتسع علىّ دائرة المعاني عندي ، وأفضى إلى فضاء الشهود والعيان ، فحينئذ يزهق الباطل ، وهو ما سوى اللّه ، ويجئ الحق ، وهو وجود الحق وحده ، فأقول حينئذ :
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
، وإنما أثبته الوهم والجهل ، وإلا فلا ثبوت له ؛ ابتداء وانتهاء . وثبوت الوهم والجهل في القلب : مرض من الأمراض ، وشفاؤه في التمسك بما جاء به القرآن العظيم ، كما قال تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 82 ]

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 )
هامش
( 1 ) من الآية 56 من سورة المائدة . ( 2 ) من الآية 33 من سورة التوبة . ( 3 ) من الآية 55 من سورة النور . ( 4 ) الآيتان : 171 - 172 من سورة الصافات . ( 5 ) المخصرة : ما يختصره الإنسان بيده ، فيمسكه ؛ من عصا ونحوها . . . انظر : مختار الصحاح ، ( خصر ) . ( 6 ) أي : من نحاس . ( 7 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، سورة الإسراء ) ، ومسلم في ( الجهاد ، باب فتح مكة ) .