تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
ثم قال تعالى :
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
وهي : شجرة الزقوم ، أي : ما جعلناها إلا فتنة للناس . وذلك أن قريشا لما سمعوا أن في جهنم شجرة الزقوم ، سخروا من ذلك ، فافتتنوا بها ، حيث أنكروها ، وكفروا بالقرآن ، وقالوا : كيف تكون شجرة في النار ، والنار تحرق الشجر ؟ ! وقفوا مع الإلف والعادة ، ولم ينفذوا إلى عموم تعلق القدرة . ومن قدر على حفظ وبر السّمندل « 1 » منها ، وهو يمشى فيها ، قدر على أن يخلق في النار شجرة ، ولم تحرقها . وقال أبو جهل : ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد . فإن قيل : أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن ؟ فالجواب : أن المراد لعنة آكلها ، وقيل : إن اللعنة هنا بمعنى الإبعاد ، وهي في أصل الجحيم . قال تعالى :
وَنُخَوِّفُهُمْ
بأنواع التخويف ، أو بالزقوم ،
فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً
؛ عتوا مجاوزا للحد . الإشارة : الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته . فإذا انمحت الأكوان ثبتت وحدة المكون . « كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما كان عليه » ، من قامت به الأشياء ، وهو وجودها ونور ذاتها ، ومحيط بها ، كيف تحصره ، أو تحيزه ، أو تحول بينه وبين موجوداته ؟ قيل لسيدنا على - كرم اللّه وجهه - : يا ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين كان ربنا قبل خلق الأشياء ؟ فتغير وجهه ، وسكت ، ثم قال : قولكم : أين ؟ يقتضى المكان ، وكان اللّه ولا زمان ولامكان ، وهو الآن على ما عليه كان . ه . وقال الشيخ الشاذلي : ( قيل لي : يا علي ؛ بي قل ، وعلى دل ، وأنا الكل ) . وفي الحديث : « لا تسبّوا الدهر ، فإنّ اللّه هو الدّهر ، بيده الليل والنّهار » ، ولا يفهم هذا على التحقيق إلا أهل الذوق ، بصحبة أهل الذوق . وإلا فسلّم تسلم ، واعتقد التنزيه وبطلان التشبيه . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم بيّن عداوة إبليس المتقدمة في قوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً
، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 61 إلى 64 ]

وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 )
هامش
( 1 ) السّمندل : طائر ، إذا انقطع نسله ، وهرم ، ألقى نفسه في الجمر ، فيعود إلى شبابه . وقيل : هو دابة ، يدخل النار فلا تحرقه . . انظر اللسان ( سمندل 3 / 2105 ) .