تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ عِبادِي
المخلصين ، الذين يتوكلون علىّ في جميع أمورهم ،
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
أي : تسلط وقدرة على إغوائهم ؛ حيث التجئوا إلىّ ، واتخذوني وكيلا ؛
وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
؛ حافظا لمن توكل عليه ، فيحفظهم منك ومن أتباعك . ثم ذكر ما يحث على التعلق به ، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية والدنيوية ، فقال :
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي
؛ يجرى
لَكُمُ الْفُلْكَ
ويسيرها
فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
بالتجارة والربح ، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم ،
إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
في تسخيرها لكم ؛ حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في سيرها ، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم .
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
يعنى : خوف الغرق ،
ضَلَّ
؛ غاب عنكم
مَنْ تَدْعُونَ
؛ من تعبدون من الآلهة . أو : من تستغيثون به في حوادثكم ،
إِلَّا إِيَّاهُ
وحده ، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه ، ولا تدعون ، لكشفه ، إلا إياه ، فكيف تعبدون غيره ، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه ؟
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ
من الغرق
إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
عن التوحيد ، أو عن شكر النعمة ،
وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
بالنعم ، جحودا لها ، إلا القليل ، وهو كالتعليل للإعراض .
أَ فَأَمِنْتُمْ
أي : أنجوتم من البحر ، وأمنتم
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ
؛ بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه ، أو يخسف بكم في جوفه ، كما فعل بقارون ،
أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً
أي : ريحا حاصبا ، يرميكم بحصباء كقوم لوط ،
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا
؛ حافظا لكم منه ، فإنه لا راد لفعله .
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى
؛ بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه ؛
فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ
أي : ريحا شديدة ، لا تمر بشئ إلا قصفته ، أي : كسرته ،
فَيُغْرِقَكُمْ
، وعن يعقوب : « فتغرقكم » ؛ على إسناده إلى ضمير الريح . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بنون التكلم في الخمسة . يفعل ذلك بكم
بِما كَفَرْتُمْ
؛ بكفركم ، أي : بسبب إشراككم ، أو كفرانكم نعمة الإنجاء ،
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
؛ مطالبا يتبعنا بثأركم ، كقوله :
وَلا يَخافُ عُقْباها
« 1 » ، أو : لا تجدوا نصيرا ينصركم منه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، هم الذين أضافهم إلى نفسه ؛ بأن اصطفاهم لحضرة قدسه ، وشغلهم بذكره وأنسه ، لم يركنوا إلى شئ سواه ، ولم يلتجئوا إلّا إلى حماه . فلا جرم أنه يحفظهم برعايته ، ويكلؤهم بسابق عنايته . فظواهرهم قائمة بآداب العبودية ، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية . فلمّا قاموا بخدمة الرحمن ، حال بينهم وبين كيد الشيطان ، وقال لهم : ربكم الذي يزجى لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة ؛ لتبتغوا
هامش
( 1 ) الآية 15 من سورة الشمس .