تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الإشارة : من أوصاف الصوفية - رضى اللّه عنهم - أنهم هينون لينون كلفّة حرير ، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن ، ولا يفعلون إلا ما هو حسن ، ويفرحون ولا يحزنون ، وينبسطون ولا ينقبضون . من رأوه مقبوضا بسطوه ، ومن رأوه حزينا فرّحوه ، ومن رأوه جاهلا أرشدوه بالتي هي أحسن . وهم متفاوتون في هذا الأمر ، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية ، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله . وفي الحديث : « إنّ الرّجل ليدرك ؛ بحسن الخلق ، درجة الصائم النهار ، القائم اللّيل » « 1 » . وباللّه التوفيق . ثم رجع إلى الكلام مع المشركين والرد عليهم ، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 56 إلى 57 ]

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ( 56 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) قلت :
( أُولئِكَ )
: مبتدأ ، و
( الَّذِينَ يَدْعُونَ )
: صفته ، و
( يَبْتَغُونَ )
: خبره . وضمير
« تَحْوِيلًا »
: للكفار ، وفي
« يَدْعُونَ »
: للآلهة المعبودين . وقيل : الضمير في
« يَدْعُونَ »
و
« يَبْتَغُونَ »
: للأنبياء المذكورين قبل في قوله :
فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
، والوسيلة : ما يتوسل به ويتقرب إلى اللّه ، و
( أَيُّهُمْ )
: بدل من فاعل
( يَبْتَغُونَ )
، و « أيّ » : موصولة ، أي : يبتغى من هو أقرب إليه تعالى - الوسيلة ، فكيف بمن دونه ؟ أو ضمّن معنى يبتغون : يحرصون ، أي : يحرصون أيهم يكون إليه تعالى أقرب ؟ يقول الحق جل جلاله :
قُلِ
لهم :
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
أنهم آلهة تعبدونهم
مِنْ دُونِهِ
كالملائكة والمسيح وعزير ، أو كالأصنام والأوثان ،
فَلا يَمْلِكُونَ
؛ لا يستطيعون
كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ
، كالمرض والفقر والقحط ،
وَلا تَحْوِيلًا
لذلك عنكم إلى غيركم ، قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
أنهم آلهة ، هم في غاية الافتقار إلى اللّه والتوسل إليه ، كلهم
يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
أي : التقرب بالطاعة ، ويحرصون
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
إلى اللّه من غيره ، فكيف يكونون آلهة ؟ أو : أولئك الذين يدعونهم آلهة ، يطلبون إلى ربهم الوسيلة
هامش
( 1 ) أخرجه ، بنحوه ، أحمد في المسند ( 6 / 133 ) وأبو داود في ( الأدب ، باب في حسن الخلق ) عن عائشة رضي اللّه عنه ، وأخرجه الحاكم في المستدرك ( 1 / 60 ) عن أبي هريرة ، وصححه ، ووافقه الذهبي .