تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
نفى عنهم فقه الآيات ، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء ؛ بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة ، كما صرح به في قوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
؛ أغطية تكنها ، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله . فعلنا ذلك بهم ؛ كراهة
أَنْ يَفْقَهُوهُ
،
وَ
جعلنا
فِي آذانِهِمْ وَقْراً
؛ ثقلا وصمما يمنعهم من استماعه . ولمّا كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى ، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ . قاله البيضاوي .
وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ
أي : واحدا غير مشفوع به آلهتهم ،
وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
؛ هربا من استماع التوحيد ، والمعنى : وإذا ذكرت في القرآن وحدانية اللّه تعالى ، فرّ المشركون عن ذلك ؛ لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها . قال تعالى :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ
أي : بالأمر الذي يستمعون به ؛ من الاستهزاء ، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء ،
وَإِذْ هُمْ نَجْوى
أي : ونحن أعلم بغرضهم ، حين همّ جماعة ذات نجوى ، يتناجون بينهم ويخفون ذلك . ثم فسر نجواهم بقوله :
إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ
، وضع الظالمين موضع الضمير ؛ للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم ، أي : إذ يقولون :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
؛ مجنونا قد سحر حتى زال عقله .
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
، مثلوك بالساحر ، والشاعر ، والكاهن ، والمجنون ،
فَضَلُّوا
عن الحق في جميع ذلك ،
فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
إلى الهدى ، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه ؛ فهم يتهافتون ، ويخبطون ، كالمتحير في أمره لا يدرى ما يفعل . ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار .
وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
، أنكروا البعث ، واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا ، بعد فنائهم وجعلهم ترابا . والرفات : الذي بلي ، حتى صار غبارا وفتاتا . و
« أَ إِذا »
: ظرف ، والعامل فيه : ما دل عليه قوله :
( لَمَبْعُوثُونَ )
، لا نفسه ؛ لأن ما بعد « إن » والهمزة ، لا يعمل فيما قبله ، أي : أنبعث إذا كنا عظاما . . إلخ . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد تقدم في سورة « الأنعام » « 1 » تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه ، والتي تمنع من الشهود والعيان ، فراجعه ، إن شئت . وفي الآية تسلية لمن أوذى من الصوفية فرمى بالسحر أو غيره . وباللّه التوفيق . ثم أمر نبيه بالجواب عما أنكروه من البعث ، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 50 إلى 52 ]

قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 )
هامش
( 1 ) راجع إشارة الآية 25 من سورة الأنعام .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 205 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان