تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قلت :
( قَرِيباً )
: خبر كان ، أو ظرف له ؛ على أن « كان » تامة ، أي : عسى أن يقع في زمن قريب . و
( أَنْ يَكُونَ )
: إما : اسم
« عَسى »
وهي تامة ، أو خبرها ، والاسم مضمر ، أي : عسى أن يكون البعث قريبا ، أو : عسى أن يقع في زمن قريب .
( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ )
: منصوب بمحذوف ؛ اذكروا يوم يدعوكم . أو : بدل من « قريب » ؛ على أنه ظرف . انظر أبا السعود . و
( بِحَمْدِهِ )
: حال من ضمير
( فَتَسْتَجِيبُونَ )
، أي : منقادين له ، حامدين له ؛ لما فعل بكم . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
يا محمد لمن أنكر البعث :
كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً
آخر
مِمَّا يَكْبُرُ
أي : يعظم
فِي صُدُورِكُمْ
عن قبول الحياة ، فإنكم مبعوثون ومعادون لا محالة ، أي : لو كنتم حجارة أو حديدا ، أو شيئا أكبر عندكم من ذلك ، وأبعد من الحياة ، لقدرنا على بعثكم ؛ إذ القدرة صالحة لكل ممكن . ومعنى الأمر هنا : التقدير ، وليس للتعجيز ، كما قال بعضهم . انظر ابن جزى ،
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا
إلى الحياة مرة أخرى ، مع ما بيننا وبين الإعادة ، من مثل هذه المباعدة ؟
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
ولم تكونوا شيئا ؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة ، بل هي أهون ،
فَسَيُنْغِضُونَ
؛ يحركون
إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ
؛ تعجبا واستهزاء ،
وَيَقُولُونَ
؛ استهزاء :
مَتى هُوَ
أي : البعث ،
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً
، فإنّ كل ما هو آت قريب . واذكروا
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ
؛ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل ،
فَتَسْتَجِيبُونَ
أي : فتبعثون من القبور
بِحَمْدِهِ
؛ بأمره ، أو ملتبسين بحمده ، حامدين له على كمال قدرته ، عند مشاهدة آثارها ، ومعاينة أحكامها ، كما قيل : إنهم يقومون ينفضون التراب عن رؤوسهم ، ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ،
وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ
؛ ما لبثتم في الدنيا
إِلَّا قَلِيلًا
؛ لما ترون من الهول ، أو تستقصرون مدة لبثكم في القبور ، كالذي مرّ على قرية . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد ، واستغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته ، فقل لهم : كونوا حجارة أو حديدا ، أو خلقا أكبر من ذلك ، فإن اللّه قادر على أن يحيى قلوبكم بمعرفته ، ويلينها بعد القساوة ، بسبب شرب خمرته . فسيقولون : من يعيدنا إلى هذه الحالة ؟ قل : الذي فطركم على توحيده أول مرة ، حين أقررتم بربوبيته ، يوم أخذ الميثاق . فسينغضون إليك رؤوسهم ؛ تعجبا واستغرابا ، ويقولون : متى هو هذا الفتح ؟ ! قل : عسى أن يكون قريبا ؛ يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق ، أو خوف مزعج ، بواسطة شيخ عارف ، أو بغير واسطة ، فتستجيبون بحمده ومنته ، وتظنون إن لبثتم في أيام الغفلة إلا قليلا ؛ فتلين قلوبكم ، وتطمئن نفوسكم ، وتنشرح صدوركم ، وتحسن أخلاقكم ، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هي أحسن ، كما قال تعالى :
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 206 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان