تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
باختلافهما وبحركتهما ،
عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
؛ وحساب الأوقات من الأشهر والأيام ، في معاملتكم وتصرفاتكم ،
وَكُلَّ شَيْءٍ
تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا
فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
؛ بيّناه تبيينا لا لبس فيه ، أو : وكل شئ يظهر في الوجود ، فصّلناه وقدّرناه في اللوح المحفوظ تفصيلا ، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فصل في عالم الغيب .
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
أي : حظه وما قدر له من خير وشر ، فهو لازم
فِي عُنُقِهِ
؛ لا ينفك عنه . ويقال لكل ما لزم الإنسان : قد لزم عنقه . وإنما قيل للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر : طائر ؛ لقول العرب : جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر ، على طريق الفأل والطيرة ، فخاطبهم اللّه بما يستعملون ، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم ، لا محيد لهم عنه ، كالسلسلة اللازمة للعنق ، يجر بها إلى ما يراد منه . ومثله :
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
« 1 » ، وقال مجاهد : « ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة ، مكتوب فيها شقى أو سعيد » . أو : وكل إنسان ألزمناه عمله ؛ يحمله في عنقه ،
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً
مكتوب فيه عمله ، وهو صحيفته .
يَلْقاهُ مَنْشُوراً
، ويقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
؛ محاسبا ، لا تحاسبك إلا نفسك ، أو : رقيبا وشهيدا على عملك ، أو : لا يعد عليك أعمالك إلا نفسك . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للإنسان أن يكون داعيا بلسانه ، مفوضا للّه في قلبه ، لا يعقد على شئ من الحظوظ والمآرب ، فقد يدعو بالخير في زعمه ، وهو شر في نفس الأمر في حقه ، وقد يدعو بالشر وهو خير . وقد تأتيه المضار من حيث يرتقب المسار ، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر ؛
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *
. فالتأنى والسكون من علامة العقل ، والشّره والعجلة من علامة الحمق . فما كان من قسمتك لا بد يأتيك في وقته المقدر له ، وما ليس من قسمتك لا يأتيك ، ولو حرصت كل الحرص . فكل شئ سبق تفصيله وتقديره ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه ، كما قال تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 15 إلى 17 ]

مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ( 15 ) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 )
هامش
( 1 ) من الآية 131 من سورة الأعراف .