تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وسبب الهلاك هو حب الدنيا ، كما قال تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 18 إلى 22 ]

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) قلت :
( لِمَنْ نُرِيدُ )
: بدل من ضمير
( لَهُ )
؛ بدل بعض من كل . و
( كُلًّا )
: مفعول
( نُمِدُّ )
، و
( هؤُلاءِ )
: بدل منه . و
( كَيْفَ )
: حال ، و
( دَرَجاتٍ )
و
( تَفْضِيلًا )
: تمييز . يقول الحق جل جلاله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ
بعمله الدنيا
الْعاجِلَةَ
، مقصورا عليها همه ،
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
التعجيل له . قيّد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة ؛ لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ، ولا كل واحد جميع ما يهواه . قاله البيضاوي .
ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ
في الآخرة
جَهَنَّمَ يَصْلاها
؛ يدخلها ويحترق بها ، حال كونه
مَذْمُوماً مَدْحُوراً
؛ مطرودا من رحمة اللّه . والآية في الكفار ، وقيل : في المنافقين ، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم . والأصح : أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف .
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها
؛ عمل لها عملها اللائق بها ، وهو : الإتيان بما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه ، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم . وفائدة اللام في قوله :
« لَها »
: اعتبار النية والإخلاص . والحال أن العامل
مُؤْمِنٌ
إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب ، فإنه العمدة ،
فَأُولئِكَ
الجامعون للشروط الثلاثة
كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
عند اللّه ، مقبولا مثابا عليه ؛ فإن شكر اللّه هو الثواب على الطاعة .
كُلًّا نُمِدُّ
أي : كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى ،
هؤُلاءِ
المريدين للدنيا ،
وَهَؤُلاءِ
المريدين للآخرة ، نمد كلا
مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ
في الدنيا ،
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ
فيها
مَحْظُوراً
؛ ممنوعا من أحد ، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر ، تفضلا منه تعالى .
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
في الرزق والجاه ،
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
من الدنيا ، فينبغي الاعتناء بها دونها ، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين ، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار .