تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وأبهم على عباده أمرها ، فلو ظهرت لبطل سر التكليف . ولذلك لما سئل عنه سيدنا على - كرم اللّه وجهه - قال للسائل : ( بحر عميق لا تطيقه ) ، فأعاد عليه السؤال ، فقال : ( طريق مظلم لا تسلكه ) ؛ لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر ، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء ، وفرّق بين القدرة والحكمة ، وبين العبودية والربوبية ، فإذا تحقق العارف بالوحدة ، علم أنّ الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم للإكرام ، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام ، وأبهم الأمر عليهم ، ثم خلق فيهم كسبا واختيارا فيما يظهر لهم ، وكلفهم ؛ لتقوم الحجة عليهم ، وتظهر صورة العدل فيهم .
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل ، والحكمة تستر أسرار القدر . لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان ، وللشقاوة علامات ؛ كالخذلان والكفران . نعوذ باللّه من سوء القضاء وحرمان الرضا . آمين . ومن علامة السعادة : التمسك بما جاء به القرآن العظيم ، كما قال تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 9 إلى 10 ]

إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) قلت :
« وَأَنَّ الَّذِينَ »
: إما عطف على
« إِنَّ »
الأولى ، أو على
« وَيُبَشِّرُ »
بإضمار يخبر . يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي
؛ للطريق التي
هِيَ أَقْوَمُ
الطرق وأعدلها ،
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الأعمال
الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
وهو : الخلود في النعيم المقيم ، وزيادة النظر إلى وجهه الكريم .
وَ
يخبر
أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا
أي : أعددنا
لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
، أو : ويبشر المؤمنين ببشارتين : ثوابهم ، وعقاب أعدائهم . الإشارة : لا شك أن القرآن يهدى إلى طريق الحق ؛ إما إلى طريق توصل إلى نعم جنانه ، أو إلى طريق توصل إلى شهوده ودوام رضوانه ، فالأولى طريق الشرائع والأحكام ، والثانية طريق الحقائق والإلهام ، لكن لا يدرك هذا من القرآن إلا من صفت مرآة قلبه بالمجاهدة والذكر الدائم ، ولذلك أمر شيوخ التربية المريد بالاشتغال بالذكر المجرد ، حتى يشرق قلبه بأنوار المعارف ، ويرجع من الفناء إلى البقاء ، ثم بعد ذلك يمر بالتلاوة ، ليذوق حلاوة القرآن ، ويتمتع بأنواره وأسراره ، وقد أنكر بعض من لا معرفة له بطريق التربية على الفقراء هذا الأمر - أعنى : ترك التلاوة في بدايتهم - ؛ محتجا بهذه الآية ، ولا دليل فيها عليم ؛ لأن كون القرآن يهدى للتي هي أقوم يعنى : التمسك والتدبر في معانيه ، ولا يصح ذلك على الكمال إلا بعد تصفية القلوب ، كما هو مجرب ، ولا ينكر هذا إلا من لا ذوق له في علوم القوم ، وربما يذكر وجود التربية من أصلها ، ويسد الباب في وجوه الناس ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه .