تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
فإذا اتصل العبد بأهل هذا الطريق ، ثم تأخر الفتح عنه ، فلا يقنط ولا يستعجل ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 11 إلى 14 ]

وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ( 11 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 ) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) قلت :
( دُعاءَهُ )
: مفعول مطلق . والإضافة في قوله :
( آيَةَ اللَّيْلِ )
و
( آيَةَ النَّهارِ )
: بيانية ، أي : فمحونا الآية التي هي الليل ، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة . وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر ؛ تكون للتخصيص ، أي : وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين ، أو : وجعلنا الليل والنهار ذوى آيتين . . إلخ ، و
( كُلَّ شَيْءٍ )
: منصوب بفعل مضمر ، يفسره ما بعده ، وكذا :
( وَكُلَّ إِنسانٍ )
و
( يَلْقاهُ مَنْشُوراً )
: صفتان لكتاب . يقول الحق جل جلاله :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ
على نفسه وولده وماله
بِالشَّرِّ
عند الغضب والقنط .
دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
؛ مثل دعائه بالخير . وهو ذم له يدل على عدم صبره ، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك ،
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
؛ يسارع إلى كل ما يخطر بباله ، لا ينظر عاقبته . ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر ، وبالدعاء استعجاله بالعذاب ؛ استهزاء ، كقول النضر بن الحارث : اللهم انصر خير الحزبين ؛
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ . .
الآية « 1 » . وقيل : المراد بالإنسان : آدم عليه السّلام ، فإنه لما انتهى الروح إلى سرّته ذهب ليقوم ، فسقط ، وهو بعيد . فإذا نزلت بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل ، فإنّ وقت الفرج محدود ، فالليل والنهار مطيتان ، يقربان كل بعيد ، ويبليان كل جديد ، ويأتيان بكل موعود . ولذا قال تعالى إثره :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
دالتين على كمال قدرتنا ، وباهر حكمتنا ، يتعاقبان على الإنسان ، يقربان له كل بعيد ، ويأتيان له بكل موعود .
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
أي : فمحونا الآية التي هي الليل ؛ بأن جعلناها مظلمة ، لتسكنوا فيه ،
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
أي : مضيئة مشرقة لتبتغوا ؛ من فضله ، أو : وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين ، وهما : الشمس والقمر ،
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
، وهو القمر ؛ بأن جعلناه أطلس ، لا نور فيه من ذاته ، بل نوره مستمد من نور الشمس ،
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ
، وهي الشمس
مُبْصِرَةً
للناس ، أو مبصرا فيها بالضوء الذاتي ،
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
؛ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم ،
وَلِتَعْلَمُوا
؛
هامش
( 1 ) الآية 32 من سورة الأنفال .