تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
ثم ذكر ما أحدث بنو إسرائيل ، وما جرى عليهم في القضاء السابق ، فقال : -

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 4 إلى 8 ]

وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) يقول الحق جل جلاله :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
أي : أخبرناهم وأوحينا إليهم
فِي الْكِتابِ
؛ التوراة ، وقلنا : واللّه
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
إلخ . أو : قضينا عليهم
فِي الْكِتابِ
؛ اللوح المحفوظ ،
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
أي : إفسادتين ، أولاهما : مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء ، وقيل : أرمياء . وثانيتهما : قتل زكريا ويحيى ، وقصد قتل عيسى عليه السّلام ،
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
؛ ولتستكبرن عن طاعة اللّه ، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوا كبيرا .
فَإِذا جاءَ وَعْدُ
؛ عقاب
أُولاهُما
أي : أول مرتى الإفساد ؛ بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا
؛ بختنصر وجنوده
أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
؛ ذوى قوة وبطش في الحرب شديد ،
فَجاسُوا
؛ فترددوا لطلبكم
خِلالَ الدِّيارِ
؛ وسطه ؛ ، للقتل أو الغارة ، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم ، وحرقوا التوراة ، وخربوا المسجد . وفي التذكرة للقرطبي : أنه سلّط عليهم في المرة الأولى بختنصر ، فسباهم ، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة ، وبقوا في يده مائة سنة . ثم رحمهم اللّه تعالى وأنقذهم من يده ، على يد ملك من ملوك فارس ، ثم عصوا ، فسلط عليهم ملك الروم قيصر . ه . قال تعالى :
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا
أي : وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل .
ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ
أي : الدولة والغلبة
عَلَيْهِمْ
أي : على الذين بعثوا عليكم ، فرجع الملك إلى بني إسرائيل ، واستنقذوا أسراهم ، فقيل : على يد « بهمن بن إسفنديار » ؛ ملك فارس ، فاستنقذهم ، ورد أسراهم إلى الشام ، وملّك دانيال عليهم ، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر ، وقيل : على يد داود عليه السّلام حين قتل جالوت . قال تعالى :
وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً
أي : عددا مما كنتم . والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه ، وقيل : جمع نفر ، وهم : المجتمعون للذهاب إلى الغزو .