تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
أو : من الحرم ؛ لما روى أنه كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء ، فأسري به ، وسماه مسجدا ؛ لأن الحرم كله مسجد . قاله البيضاوي . قلت : والظاهر أنه وقع مرتين : مرة بجسده من البيت ، ومرة بروحه من بيت أم هانئ . واللّه تعالى أعلم بما كان . قال في المستخرج من تفسير الغزنونى وغيره : قيل : كان رؤيا صادقة ، وقيل : أسرى بروحه ، وهو خلاف القرآن ، وإن أسند إلى عائشة - رضى اللّه عنها - ، والجمهور على ما رواه عامة الصحابة ، دخل كلام بعضهم في بعض ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أتاني جبريل عليه السّلام ، وإذا دابة فوق الحمار ودون البغل ، خطوها مد بصرها ، فمرّ بي بين السماء والأرض إلى بيت المقدس ، فنشر لي رهط من الأنبياء ، فصليت بهم . وإذا أنا بالمعراج ، وهو أحسن ما رأيت ، فعرج بي ، فرأيت في سماء الدنيا رجلا أعظم الناس وجها وهيكلا ، فقيل : هذا أبوك آدم ، وفي السماء الثانية شابين ، فقيل : هما يحيى وعيسى ، وفي الثالثة رجلا أفضل الناس حسنا ، فقيل : أخوك يوسف ، وفي الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم - صلوات اللّه على جميعهم . فانتهيت إلى سدرة المنتهى ، فغشيتها ملائكة ، كأنهم جراد من ذهب ، فرأيت جبريل عليه السّلام يتضاءل كأنه صعوة - أي : عصفور - فتخلف ، وقال : وما منا إلا له مقام معلوم ، فجاوزت سبعين حجابا ، ثم احتملنى الرفرف إلى العرش ، فنوديت : حيّ ربك . فقلت : لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » . فلما أخبر بما رأى كذّبه أهل مكة ، ولو كان في النوم ما أنكره المشركون . وقيل : كانا معراجين ، بمكة والمدينة ، في النوم واليقظة . ه . قلت : وقوع المعراج بالمدينة غريب . قال المهدوى : مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية خاصة بنبينا ، لم يكن لغيره من الأنبياء . وعدّه السيوطي من الخصائص . قال ابن جزى : وحجة الجمهور : أنه لو كان مناما ، لم تنكره قريش ، ولم يكن في ذلك ما يكذّب ، ألا ترى أن أم هانئ قالت له - عليه الصلاة والسلام : ( لا تخبر بذلك أحدا ) . وحجة من قال إنه كان مناما : قوله تعالى :
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ
« 2 » ، وإنما يقال : الرؤيا ، في المنام ، ويقال ، فيما يرى بالعين : رؤية ، وقوله ، في آخر حديث الإسراء : « فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام » ، ثم قال : وقد يجمع بينهما بأنه وقع مرتين « 3 » . ه . وقوله تعالى :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
هو : بيت المقدس ؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ،
الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
ببركات الدين والدنيا ؛ لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء ، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار . أسرينا
هامش
( 1 ) أخرج حديث الإسراء والمعراج ، برواياته المتعددة ، وطرقه ؛ البخاري في ( الصلاة ، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء ) ، و ( بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ) ، و ( مناقب الأنصار ، باب المعراج ) . ومسلم في ( الإيمان ، باب الإسراء ) . ( 2 ) من الآية 60 من سورة الإسراء . ( 3 ) وهذا هو الصواب .