تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الإشارة : الواجب في حق الأدب أن ما كان من الكمالات ينسب إلى اللّه تعالى ، كائنا ما كان ، وما كان من النقائص ينسب إلى العبد ، وإن كان ، في الإيجاد والاختراع ، كل من عند اللّه ، وهو بهذا الاعتبار في غاية الحسن . كما قال صاحب العينية رضي اللّه عنه :
وكلّ قبيح إن نسبت لحسنه * أتتك معاني الحسن فيه تسارع
يكمّل نقصان القبيح جماله * فما ثمّ نقصان ولا ثمّ باشع
ثم سلّى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 63 إلى 64 ]

تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 ) قلت :
( وَهُدىً وَرَحْمَةً )
: معطوفتان على
« لِتُبَيِّنَ »
، وانتصبا على المفعولية من أجله ، أي : لأجل البيان والهدى والرحمة . يقول الحق جل جلاله :
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا
رسلا
إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
يا محمد ،
فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
السوء ، فرأوها حسنة ، فأصروا على قبائحها ، وكذبوا الرسل ، فصبروا حتى نصروا . فاصبر كما صبروا ، حتى تنصر كما انتصروا . فكان عاقبة من اتبع الشيطان الهلاك والوقوع في العذاب ،
فَهُوَ وَلِيُّهُمُ
أي : متولى أمورهم
الْيَوْمَ
في الدنيا ،
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة ، أو : فهو وليهم يوم القيامة ، على أنه حكاية حال آتية ، أي : لا ولى لهم غيره في ذلك اليوم ، وهو عاجز عن نصر نفسه ، فكيف ينصر غيره ؟
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
: القرآن
إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ
: للناس
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ
؛ من التوحيد ، والقدر ، وأحوال المعاد ، وأحكام الأفعال ،
وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
به ، فإنهم المنتفعون بإنزاله . الإشارة : كل من وقف دون الوصول إلى مشاهدة الحق ، فهو مزين له في عمله ، مستدرج به وهو لا يشعر ، وحظه يوم القيامة الندم والأسف . وفي ذلك يقول أبو المواهب « 1 » :
من فاته منك وصل حظّه النّدم * ومن تكن همّه تسمو به الهمم
هامش
( 1 ) التونسي ، صاحب « قوانين حكم الإشراق » .