الإشارة : قال في التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا غير الله ؛ لما حققهم به من شهود القيومية ، وإحاطة الديمومية . ه . فمن فتح اللّه بصيرته ، لم يشهد مع الحق سواه ؛ إذ الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه ؛ إذ لا شئ معه ، وإنما حجبك توهم موجود معه » . فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان ، ووقع على عين الشهود والعيان . فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته . وبالله التوفيق .
ثم ذكر جهالة أهل الشرك وسفاهة رأيهم ، فقال :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 56 إلى 60 ]
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 )
قلت : الضمير في
( يَجْعَلُونَ )
للكفار ، وفي
( يَعْلَمُونَ )
لهم ، أو للأصنام . و
( لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ )
: يجوز أن يكون
( ما يَشْتَهُونَ )
مبتدأ ، وخبره :
( لَهُمْ )
، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر ، أي : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون ، وأن يكون معطوفا على البنات ، وهذا منعه البصريون ؛ لاتحاد الفاعل والمفعول ، وهو الواو ، وضمير لهم في الغيبة ، فلا يقال :
زيد ضربه ، وإنما يقال : ضرب نفسه ، ولا يقال : أنا ضربتني ، ويجوز ذلك في أفعال القلوب . وقال البيضاوي :
ولا يبعد تجويزه في المعطوف ، كما في الآية .
يقول الحق جل جلاله :
وَيَجْعَلُونَ
أي : كفار العرب
لِما لا يَعْلَمُونَ
إلاهيتهم ببرهان ولا حجة ، وهم الأصنام . أو : لما لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها ،
نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ
من الزرع والأنعام ، بقولهم :
هذا لله وهذا لشركائنا ،
تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ
؛ سؤال توبيخ وعتاب
عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ
من أنها آلهة بالتقرب إليها ، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك .
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
؛ من قولهم : الملائكة بنات اللّه ، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك .
سُبْحانَهُ
؛ تنزيها له عن ذلك ،
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
أي : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون ، وهم البنون ، والمعنى : أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد - ، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور .
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى