تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وناظر في سوى معناك حقّ له * يقتصّ من جفنه بالدّمع وهو دم
والسّمع إن جال فيه من يحدّثه * سوى حديثك أمسى وقره الصّمم
فهذه علامات الوصول إلى الحق ، بحيث ترتفع همته إلى حضرة الحق ، ويصرف نظره في معاني أسرار التوحيد ، وسمعه فيما يقرب إلى صريح التفريد ، ومن لم يبلغ هذا المقام ، لم ينقطع عنه تزيين الشيطان ، فيزين له عمله ، فيقف معه . وباللّه التوفيق . ثم ذكر دلائل توحيده وباهر قدرته ، وفي معرفتهما معرفة ذاته ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 65 ]

وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 ) يقول الحق جل جلاله :
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
؛ مطرا
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
؛ أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها ، فكانت هامدة غبراء ، غير منبتة ، شبيهة بالميت ، فصارت ، بعد إنزال المطر ، مخضرة مهتزة رابية شبيهة بالحي .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
سماع تدبر وإنصاف ؛ فإن هذه الآية ظاهرة ، تدرك بأدنى تنبيه وسماع ، غير محتاجة إلى كثرة تفكر واعتبار . الإشارة : واللّه أنزل من سماء الغيوب ماء العلوم النافعة ، فأحيا به أرض النفوس الميتة بالغفلة والجهل ، فصارت مبتهجة بأنوار التوحيد وأسرار التفريد ، وفي ذلك يقول الشاعر :
إنّ عرفان ذي الجلال لعزّ * وضياء وبهجة وسرور
وعلى العارفين أيضا بهاء * وعليهم من المحبّة نور
فهنيئا لمن عرفك ، إلهي * هو ، واللّه ، دهره ، مسرور
ثم ذكر دليلا آخر ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 66 إلى 67 ]

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ( 66 ) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) قلت : سقى وأسقى : لغتان ، على المشهور . والضمير في
( بُطُونِهِ )
: للأنعام ، وذكّره باعتبار ما ذكر « 1 » ، كقوله :
كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
« 2 » ، أو : باعتبار الجنس ، وعدّه سيبويه في المفردات المبنية على : أفعال ،
هامش
( 1 ) أي : مما في بطون ما ذكرناه . ( 2 ) الآيتان : 11 - 12 من سورة عبس .