تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
كأخلاق وأكباش ، فهو ، عنده ، اسم جمع ، كقوم ورهط ، فلفظه مفرد ومعناه جمع ، فذكّره هنا ؛ مراعاة للفظه ، وأنثه ، في سورة المؤمنين ؛ مراعاة لمعناه . ومن قال : إنه جمع « نعم » ، جعل الضمير للبعض ؛ فإن اللبن لبعضها دون جميعها . و ( من ) في قوله :
« مِمَّا »
للتبعيض ، و
« مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ »
؛ لابتداء الغاية ، و
( مِنْ ثَمَراتِ )
: يتعلق بمحذوف ، أي : ونسقيكم من ثمرات النخيل ، يدل عليه
( نُسْقِيكُمْ )
الأول . و
( تَتَّخِذُونَ )
: استئناف لبيان الإسقاء ، أو يكون
( ثَمَراتِ )
: عطفا على
( مِمَّا فِي بُطُونِهِ )
، أو يتعلق
( مِنْ ثَمَراتِ )
بتتخذون ، أي : تتخذون من ثمرات النخيل سكرا . وكرر
( مِنْهُ )
للتأكيد ، أو يكون
( تَتَّخِذُونَ )
: صفة لمحذوف ، أي : شئ تتخذون منه سكرا . يقول الحق جل جلاله :
وَإِنَّ لَكُمْ
أيها الناس ،
فِي الْأَنْعامِ
وهي : الإبل والبقر والغنم ،
لَعِبْرَةً
ظاهرة تدل على كمال قدرته ، وعجائب حكمته ، وهي أنا
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ
أي : بعض ما استقر في بطونه من الغذاء ،
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
؛ وهو ما في الكرش من القذر ،
وَدَمٍ
؛ وهو ما تولد من لباب الغذاء ،
لَبَناً خالِصاً
من روائح الفرث ، صافيا من لون الدم . والمعنى : أن اللّه يخلق اللبن متوسطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، ومع ذلك فلا يغير له لونا ولا طعما ولا رائحة . وعن ابن عباس : ( إن البهيمة إذا اعتلفت ، وانطبخ العلف في كرشها ، كان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما ) . ثم وصفه بقوله :
سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
؛ سهل المرور في حلقهم ، حتى قيل : لم يغصّ أحد قط من اللبن . وروى ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » .
وَ
نسقيكم ، أيضا ،
مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ
أي : من عصيرهما . ثم بيّن كيفية الإسقاء فقال :
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ
أي : مما ذكر
سَكَراً
يعنى : الخمر ، سميت بالمصدر ، ونزل قبل تحريم الخمر ، فهي منسوخة بالتحريم . وقيل : هي على وجه المنة بالمنفعة التي في الخمر ، ولا تعرّض فيها لتحليل الخمر ولا تحريم ، وهذا هو الصحيح . وفي دعوى النسخ نظر ؛ لأن النسخ إنما يكون في الأحكام المشروعة المقررة ، وهنا ليس كذلك ، إنما فيه امتنان واعتبار فقط .
وَ
تتخذون من ثمراتها
رِزْقاً حَسَناً
؛ كالتمر ، والزبيب ، والدبس - وهو ما يسيل من الرطب - ، والخلّ ، والربّ « 2 » ، وقيل : السّكر : المائع من هاتين الشجرتين ؛ كالخل ، والرّب ، والرزق الحسن : العنب والتمر .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
دالة على كمال قدرته تعالى ،
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
؛ يستعملون عقولهم بالتأمل ، والنظر في الآيات .
هامش
( 1 ) روى ذلك بلفظ : « ما شرب أحد لبنا فيشرق » ، عزاه السيوطي ، في الدر ( 4 / 28 ) ، لابن مردويه عن يحيى بن أبي كبشة عن أبيه عن جده ؛ مرفوعا . ( 2 ) الرّبّ : ما يطبخ من التمر . . . انظر : النهاية ( ربب 2 / 181 ) .