تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
والغرض المسوق له الكلام في الأول : النهى عن اتخاذ الاثنين من الإله ؛ لا إثبات جنسه ، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد ؛ إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له . ه . ويحتمل أن يكون
« اثْنَيْنِ »
مفعولا أولا ، و
« إِلهَيْنِ »
مفعولا ثانيا . وقوله :
( فَإِيَّايَ )
: مفعول بفعل محذوف ، أي : ارهبوا ، ولا يعمل فيه ( ارهبون ) ؛ لأنه أخذ مفعوله ، وهو : ياء المتكلم ، و
( واصِباً )
: حال من
( الدِّينُ )
. و
( ما بِكُمْ )
: إما شرطية ، أو موصولة متضمنة معنى الشرط ؛ باعتبار الإخبار دون الحصول ؛ فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله ، لا سببا لحصولها منه ؛ لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله ، واستقرار النعمة بهم ليس سببا في حصولها من الله ، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله . فتأمله . وأصله للبيضاوى ، والجملة : يحتمل أن تكون استئنافية ، أو حالية ، فيتصل الكلام بما قبله ، أي : كيف تتقون غير الله ، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده ؟ واللام في
( لِيَكْفُرُوا )
: لام الأمر على وجه التهديد ، كقوله بعد :
( فَتَمَتَّعُوا )
، فعلى هذا يبتدأ بها ، وقيل : هي لام العاقبة ، فعلى هذا توصل بما قبلها ؛ لأنها في الأصل لام كي ، وهو بعيد . يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
، بأن تعبدوا الله تعالى ، وتعبدوا معه الأصنام ،
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
لا شريك له ولا ظهير ، ولا معين ولا وزير ،
فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
، عدل من الغيبة إلى التكلم ؛ مبالغة في الترهيب ، وتصريحا بالمقصود ، كأنه قال : فأنا ذلك الإله الواحد ، فإياي فارهبون ، لا غيرى ،
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ خلقا وملكا وعبيدا ،
وَلَهُ الدِّينُ
أي : الطاعة والانقياد
واصِباً
: لازما ، أو : واجبا وثابتا ؛ لما تقرر أنه الإله وحده ، والحقيق بأن يرهب منه ، فلا يدان لأحد إلا هو . وقيل :
وَلَهُ الدِّينُ
أي : الجزاء
واصِباً
أي : دائما ، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن ، ولا عقابه لمن كفر .
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ
مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر ؟ ! كما قال :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
أي : وأىّ شئ اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده ،
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
أي : فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه ، ولا تستغيثون إلا به . والجؤار : رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة ،
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
وهم : كفاركم ، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم ، وفي الرخاء يرجعون إليها . فعلوا ذلك ؛
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
من نعمة الكشف عنهم ، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة ، أو يكون تهديدا ، أي : ليكفروا ما شاءوا فسوف يعلمون ، كقوله :
فَتَمَتَّعُوا
بكفركم
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
عاقبة أمركم .