تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة ، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى . ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس . والتفيؤ : من الفيء ، وهو : الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة . وقال رؤبة بن العجاج : يقال بعد الزوال : ظل وفىء ، ولا يقال قبله إلا ظل . ففي لفظ
« يَتَفَيَّؤُا »
، هنا ، تجوز . وقال في سلوة الأحزان : فاء الظل : معناه : رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال ؛ وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال ، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها ، فإذا زالت ، ابتدأ رجوع الظل العام ، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم . والظل الممدود في الجنة لم يذكر اللّه تعالى فيها فيئا ؛ لأنه لا مذهب له ، ولا تكون الفيئة إلا بعد ذهاب الظل ، ولا ذهاب لظل الجنة ، فلا يتعقل له فيأة . ه . واستعمال اليمين والشمال ، في غير الإنسان ، تجوز ؛ فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان . ه . حال كون تلك الأجرام ، أو الظلال
سُجَّداً لِلَّهِ
، قيل : حقيقة . قال الضحاك : إذا زالت الشمس سجد كل شئ قبل القبلة ، من نبات أو شجر ، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت . وقال مجاهد : إنما تسجد الظلال ، لا الأشخاص . وقيل : هو عبارة عن الخضوع والطاعة ، وميلان الظلال ودورانها بالسجود ، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض ، على جهة الخضوع : ساجدا ، ثم استشهد لذلك . ه . قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : والمتّجه : أنه خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد ، لا حقيقة ؛ لأنه لا يقال فيه ، كذلك : أو لم يروا ، وإنما يرى الانقياد . وخص الظل ؛ لأنه مشهود ذلك فيه ، ولو حاول صاحبه عدمه أو ضده ، لم يستطع ، بخلاف الأفعال الاختيارية ، فإن الجبر فيها غير محسوس ، فظهر سر الإشارة للظلال . واللّه أعلم . ه . قال البيضاوي : المراد من السجود : الاستسلام ، سواء كان بالطبع أو الاختيار ، يقال : سجدت النخلة ، إذا مالت لكثرة الحمل ، وسجد البعير ، إذا طأطأ رأسه ليركب . أو
سُجَّداً
: حال من الظلال
وَهُمْ داخِرُونَ
: حال من الضمير ، والمعنى : ترجع الظلال ، بارتفاع الشمس وانحدارها ، بتقدير اللّه تعالى ، من جانب إلى جانب ، منقادة إلى ما قدّر لها من التفيؤ ، أو واقعة على الأرض ، ملتصقة بها ، على هيئة الساجد ، والأجرام في أنفسها أيضا داخرة ، أي : صاغرة منقادة لأفعال اللّه . ه .
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : ينقاد لإرادته ، وتأثير قدرته ؛ طبعا ، ولتكليفه وأمره ؛ طوعا ؛ ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض . وقوله :
مِنْ دابَّةٍ
: بيان لهما ؛ لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية ، سواء كان في أرض أو سماء ،
وَالْمَلائِكَةُ
؛ عطف على المبين به ، عطف خاص على عام ،