تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وقوله تعالى :
( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ )
؛ هم العارفون باللّه ، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب ؛ كأسرار التوحيد ، وأمر الخواطر ، رجعنا إليهم ؛ لأنهم أهل الذوق والكشف ، يجيبون سائلهم بالهمة والحال ، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل ، إن أتاهم متعطشا لهفانا ، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا ، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه ، فينبغي الرجوع إليهم ؛ لأنهم ينظرون بنور اللّه ، فلا ينطقهم اللّه إلا بما هو حق سبق به القدر . وأما أمور الدين ، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه ، وإن لم يكن له علم بالظاهر ، فالعلماء قائمون بهذا الأمر . وقوله تعالى :
( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
؛ يفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن اللّه ، يأخذ العلم عن اللّه بإلهام أو تجل حقيقي ، فلا يحتاج إلى سؤالهم ، حيث صفت مرآة قلبه ، وقد يكون الولي ذاكرا ، باعتبار قوم ، وغير ذاكر ، باعتبار آخرين ، الذين هم أنهض منه حالا ، وأصوب مقالا . واللّه تعالى أعلم . ثم هدد أهل المكر بأهل الخصوصية ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 45 إلى 47 ]

أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 ) قلت :
( مَكَرُوا السَّيِّئاتِ )
: صفة لمحذوف ، أي : المكرات السيئات ، والتخوّف ، قيل : معناه : التنقص ، وهو أن تنقصهم شيئا فشيئا . روى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى اللّه عليه وسلم توقف في معناها ، فقال على المنبر : ما تقولون فيها ؟ فسكتوا ، فقام شيخ من هذيل ، فقال : هذه لغتنا ، التخوف : التنقص . فقال : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ فقال : نعم . قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته :
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السفن « 1 »
فقال عمر : عليكم بديوانكم ؛ لا تضلوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية ؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم . ه . يقول الحق جل جلاله :
أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا
المكرات السيئات برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالمؤمنين ، حيث قصدوا ردّ دينه ، وصدوا الناس عن طريقه ،
أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ
كما خسف بقارون ،
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
أي : بغتة من حيث لا يظنون ، كما فعل بقوم لوط ،
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ
هامش
( 1 ) اختلف في نسبة البيت ، فنسبه الزمخشري في تفسيره لزهير ، وأبو حيان لأبى كثير الهذلي ، ونسبه ابن منظور لابن مقبل ، مرة ، ولذي الرمة ، أخرى ، وقوله : تامكا قردا ، أي : سناما مرتفعا ، والنبعة : واحدة النبع ، وهو من شجر الجبال ، والسفن : المبرد .