تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
فَأَصابَهُمْ
جزاء
سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا
من الكفر والمعاصي ، وهو العذاب ،
وَحاقَ
أي : وأحاط
بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي : نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزءون به . والحيق لا يكون إلا في الشر .
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
؛ كالبحائر والسوائب والحوامي . قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة ، والاحتجاج على صحة فعلهم ، أي : إنّ فعلنا هو بمشيئة اللّه ، فهو صواب ، ولو شاء اللّه ألا نفعله ما فعلناه . والجواب : أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف ، وقد بعث اللّه الرسل بالنهى عن الشرك ، وتحريم ما أحل اللّه ، ونحن مكلفون باتباع الشريعة ، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة ؛ فإنه زندقة ؛ فالشريعة رداء الحقيقة ، فمن خرق رداء الشريعة ، وتمسك بالحقيقة وحدها ، فقد استحق العقاب ، ولذلك قال تعالى :
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
؛ فأشركوا باللّه ، وحرموا ما أحل اللّه ، وردوا رسله .
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
أي : الإبلاغ الموضح للحق ؛ فمن تمسك بما جاءوا به فهو على صواب ، ومن أعرض عنه فهو على ضلال ، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة . والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد ، طاعة كان أو معصية ، كفرا أو إيمانا ، لكن الأمر غير تابع للإرادة ، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط . ثم بيّن أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية ، جعلها سببا لهدى من أراد اهتداءه ، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله ، كالغذاء الصالح ، فإنه ينفع المزاج السوي - أي : المعتدل - ويقويه ، ويضر المزاج المنحرف ويعييه ، فقال :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
قائلا :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
؛ أي : يأمر بعبادة اللّه وحده واجتناب ما سواه ،
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ
؛ وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه ،
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
؛ فلم يوفقهم ، ولم يرد إرشادهم ؛ فليس كل من تمسك بشئ وأمهل فيه يدل أنه على صواب ، كما ظن المشركون ، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع ، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك . ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل ، فقال :
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
يا معشر قريش ،
فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
؛ كعاد وثمود وغيرهم ، لعلكم تعتبرون . ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال :
إِنْ تَحْرِصْ
يا محمد
عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
أي : من يريد إضلاله وقضى بشقائه ؛ وهو الذي حقت عليه الضلالة ، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول « 1 » ، وهو أبلغ ، أي : فإن اللّه لا يهدى من يضله ، أي : لا يهدى غير اللّه من يريد اللّه إضلاله .
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
؛ ليس لهم من ينصرهم ؛ يدفع العذاب عنهم .
هامش
( 1 ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي : « يهدى » ؛ بفتح الياء وكسر الدال ، على البناء للفاعل ، أي : لا يهدى الله من يضله . وقرأ الباقون : « يهدى » بضم الياء وفتح الدال ، على البناء للمفعول ، يعنى : من أضله الله فلا هادي له . انظر الإتحاف ( 2 / 184 ) والبحر المحيط ( 5 / 47 ) .