تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
الإشارة : هل ينظر من عكف على دنياه ، وأكب على متابعة حظوظه وهواه ، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه ، فيندم حيث لا ينفع الندم ، وقد زلت به القدم ، فيتمنى ساعة تزاد في عمره فلا يجدها ، أو يأتي أمر ربك ؛ أمر يحول بينه وبين العمل الصالح ؛ كمرض مزمن ، أو فتنة مضلة . كذلك فعل من قبله ، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه . وما ظلمهم اللّه ، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير ، فحادوا عنهم ، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ، من وبال التقصير ، وفوات مقام أهل الجد والتشمير . وقال الذين أشركوا في محبة اللّه سواه ؛ من الحظوظ وزهرة الدنيا : لو شاء اللّه ما فعلنا ذلك ، محتجين بالقدر ، مع الإقامة على البطالة والخذلان . كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة ، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين ؟ فقد حذّروا من متابعة الدنيا ، وبلّغوا أن اللّه غيور لا يحب من أشرك معه غيره في محبته ، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا ، يأمر بعبادة اللّه وحده ، واجتناب كل ما سواه ؛ فمنهم من هداه اللّه ، فاختاره لحضرته ، فلم يحب سواه . ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص ، فبقى في مقام البعد ؛ مكذّبا بطريق الخصوص . فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ؛ كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان . ويقال للعارف المذكّر لمثل هؤلاء : ( إن تحرص على هداهم فإن اللّه لا يهدى من يضل ) . . الآية . وباللّه التوفيق . ثم ذكر مقالة أخرى لأهل الشرك ، وهو إنكار البعث ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 38 إلى 40 ]

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) قلت :
( وَأَقْسَمُوا )
: عطف على
( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا )
؛ إيذانا بأنهم ، كما أنكروا التوحيد ، أنكروا البعث ، مقسمين عليه ؛ زيادة في القطع على فساده ، فرد اللّه عليهم بأبلغ رد ، فقال : ( بلى ) . قاله البيضاوي . وتقدم الكلام على « بلى » ، في البقرة والأعراف « 1 » ، و
( وَعْداً )
: مصدر مؤكد لنفسه ، وهو ما دل عليه « بلى » ؛ فإن « يبعث » وعد ، أي : بلى ، وعدهم ذلك وعدا حقا ، ونصب ابن عامر ، فيكون عطفا على « نقول » ، أو جوابا للأمر . يقول الحق جل جلاله :
وَأَقْسَمُوا
أي : المشركون ،
بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
أي : أبلغها وأوكدها ،
لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
، فردّ اللّه عليهم بأبلغ رد ، فقال :
بَلى
يبعثهم ؛
وَعْداً عَلَيْهِ
إنجازه
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآية 81 من سورة البقرة ، والآية 172 من سورة الأعراف .