تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا
بالإيمان والطاعة ،
حَسَنَةٌ
أي : حالة حسنة ؛ من النصر ، والعز ، والتمكين في البلاد ، مع الهداية للمعرفة والاسترشاد .
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
أي : ولثواب الآخرة خير مما قدّم لهم في الدنيا ؛ لدوامه ، وصفائه ، وعظيم شأنه ، وعن أنس قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه لا يظلم المؤمن حسنة ، يثاب عليها الرزق في الدّنيا ، ويجازى بها في الآخرة » « 1 » .
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
دار الآخرة ، حذفت ، لتقدم ذكرها ، أو هي :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها
على الأبد ،
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ
من أنواع المشتهيات ؛ حسية ومعنوية ، وفي تقديم الظرف في قوله :
( فِيها )
؛ تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريد إلا في الجنة . قاله البيضاوي .
كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
الذين قالوا خيرا وفعلوا خيرا ، وأحسنوا في دار الدنيا حتى ماتوا على الإحسان ، كما قال :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ
: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي ؛ لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم ، وقيل : فرحين ؛ لبشارة الملائكة إياهم بالجنة ، أو طيبين بقبض أرواحهم ؛ لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية . قاله البيضاوي . وقال ابن عطية :
( طَيِّبِينَ )
: عبارة عن صلاح حالهم ، واستعدادهم للموت . وهذا بخلاف ما قال في الكفرة :
( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ )
، والطيب لا خبث معه ، ومنه قوله تعالى :
طِبْتُمْ فَادْخُلُوها
« 2 » . ه . وقال الترمذي الحكيم :
( طَيِّبِينَ )
أي : مستعدين للقاء ، يسلّم عليهم ، ويقال لهم : ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب ، بخلاف غير المستعد للقاء ، فإنما يسلم عليه ، ويقال له : ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة . ه . وهذا معنى قوله :
يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
؛ لا يلحقكم بعد مكروه . وهذا لأجل الاستعداد كما تقدم . ثم تقول لهم :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
بعد بعثكم ، أو بأرواحكم في عالم البرزخ ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين ،
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في دار الدنيا . فإن قلت : كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث : « لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله ، قالوا : ولا أنت ؟ قال : ولا أنا ، إلّا أن يتغمّدنى اللّه برحمته » ؟ فالجواب : أن الهداية لصالح العمل ، والتوفيق له ، هو برحمة اللّه أيضا ، فالعمل الصالح رحمة من رحمات اللّه ، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته ، فرجعت الآية إلى الحديث . ومقصد الحديث : نفى وجوب ذلك على اللّه تعالى بالعقل ، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة . وهنا جواب آخر صوفي ؛ وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة ، فنسبة العمل إلى العبد شريعة ، ونفيه عنه ، بإجراء اللّه ذلك عليه ، حقيقة . فالآية سلكت مسلك الشريعة في
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم بنحوه في ( صفات المنافقين وأحكامهم ، باب : جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة ) . من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . ( 2 ) من الآية 73 من سورة الزمر .