تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
حَقًّا
، لا يخلف ؛ لامتناع الخلف في وعده ، أو : لأن البعث مقتضى حكمته ؛ لتنزيه فعله عن العبث ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
أنهم يبعثون ، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة ، التي جرت عادته بمراعاتها ، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف ، ووقوفهم مع العوائد ، فتوهموا امتناعه ، وقالوا :
أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
« 1 » ، ولم ينظروا إلى قدرة اللّه التي لا يعجزها شئ . ثم بيّن حكمة البعث ، فقال :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ
أي : يبعثهم ؛ ليبين لهم
الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
؛ وهو الحق من الباطل ؛ فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم ؛ فيبعثهم اللّه ؛ ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه ، فيظهر من كان على الحق ممن كان على الباطل ،
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ
فيما كانوا يزعمون ؛ من عدم البعث ، وتمسكهم بالحق ، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث ، المقتضى له من حيث الحكمة ، وهو التمييز بين الحق والباطل ، والمحق والمبطل . ثم بيّن كمال قدرته الموجبة للبعث وغيره فقال :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، فأمره بين الكاف والنون ، فإذا كان إيجاد الأشياء من العدم بلفظ « كن » ، فأولى إعادتها . وكون أمره بين الكاف والنون كناية عن السرعة ، وإلّا فلا يحتاج إلى لفظ « كن » ، بل مهما أراد شيئا ، أظهره ؛ أقرب من لحظ العيون ، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تعسّفه ابن عطية وغيره ؛ من كون القول في الأزل ، وإظهاره فيما لا يزال - يعنى : في وقت إظهاره - ؛ فإن الكلام إنما خرج مخرج الاستعارة أو المجاز ، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على « كن » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ترى بعض الجهال يقسمون باللّه جهد أيمانهم : أن اللّه لا يفتح على فلان ، لما يرون فيه من الجهل والغباوة ، أو من الطغيان والمعاصي ، فلا يبعث اللّه روحه بإحيائها بعد موتها ، وتلفها في عالم الحس ، مع أن القدرة صالحة ؛ قال في الحكم : « من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان اللّه على كل شئ مقتدرا » . فإن سبقت له العناية يقل الحقّ تعالى في شأنه : بلى ، يبعثه ، ويحيى روحه بالمعرفة واليقين ، وعدا عليه حقا ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة . فكم من جاهل غبي يخرج منه عالم ولي ، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص ، واللّه يختص برحمته من يشاء . يبعثهم ؛ ليبين لهم الذي يختلفون فيه ؛ من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها ، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا ؛
( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )
.
هامش
( 1 ) من الآية 5 من سورة الرعد .