تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وقيل : هم الذين قتلوا ببدر ؛ كأبى جهل ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط . والأول أرجح ؛ لأن اللّه تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة . إلا أن يكون عبّر بالماضي عن المستقبل ؛ لتحققه ، أي : إنا سنكفيك المستهزئين
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
يعبدونه من دون اللّه
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
عاقبة أمرهم في الدارين . ثم سلّى نبيه عن أذاهم فقال :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ
في جانبنا ؛ من الشرك والطعن في القرآن ، والاستهزاء بك ، فلا تعبأ بهم ، ولا تلتفت إليهم .
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
أي : فنزه أنت ذاتنا وصفتنا ، مكان مقالتهم فينا ؛ فإن مثلك منزهنا لا غير ،
وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
أي : المصلين ، أو : فافزع إلى اللّه فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد .
وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
؛ من المصلين ، يكفك ، ويكشف الغم عنك ، وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة » « 1 » أو : فنزهه عما يقولون ، حامدا له على أن هداك للحق ، وكن من الساجدين له شكرا .
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
أي : الموت ، فإنه متيقن لحاقه ، وليس اليقين من أسماء الموت ، وإنما العلم به يقين ، لا يمترى فيه ، فسمى يقينا ؛ تجوزا . أو : لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمى يقينا . والمعنى : فاعبده ما دمت حيا ، ولا تخلّ بالعبادة لحظة . وفي بعض الأحاديث عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : « إن اللّه لم يوح إلىّ أن أجمع المال ، وأكون من التاجرين ، وإنما أوحى إلىّ أن : سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين » « 2 » . أو كما قال عليه الصلاة والسلام . الإشارة : يقال للعابد ، أو الزاهد : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، تتمتع بحلاوته ، وبالتهجد بتلاوته ، ففيه كفايتك وغناك ، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا ، الراغبين فيها ، المشتغلين بها عن عبادة خالقها . قيل : لما نزلت هذه الآية قال صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والنظر في أبناء الدنيا ، فإنه يقسى القلب ويورث حب الدنيا ، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة ، فتميلوا لزينة الدنيا ؛ فو اللّه لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من تواضع لغنى لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة ، وذهب ثلثا دينه » . هذا إن تواضع بجسمه فقط ، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله . ويقال للعارف : ولقد آتيناك شهود المعاني ، وغيبناك عن حس الأواني ، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني ، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة . وذلك بالفناء ، عن الوسائط ، في شهود الموسوط ، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه أبو داود في ( الصلاة ، باب وقت قيام النبي صلى اللّه عليه وسلم الليل ) عن حذيفة ، وأخرجه الإمام أحمد ( 5 / 388 ) في قصة الخندق مطولا . ( 2 ) أخرجه ابن عدي في الكامل ( 5 / 1897 ) والواحدي : في الوسيط ( 3 / 54 ) والبغوي في تفسيره ( 4 / 397 ) عن جبير بن نفيل ، مرسلا . .