وقت دون ما هم فيه ، ولا أمل دون ما أقامهم الحق تعالى فيه ، ليس لهم عن أنفسهم إخبار ، ولا مع غير اللّه قرار ، ولا يستعجلون ما تأخر وقوعه من أقداره ، ولا يشركون مع اللّه في تدبيره واختياره . قد هجم عليهم اليقين ، فهم ، في عموم أوقاتهم ، مستغرقون في شهود المحبوب ، غائبون عن كل مرغوب ومطلوب ، سوى شهود وجه المحبوب ، جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه . آمين .
وسبب وجود هذا في قلوبهم حياة روحهم بالإيمان التام ، والمعرفة الكاملة ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 2 ]
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 )
قلت : ( أن أنذروا ) : مفسرة ، بمعنى أي ؛ لأن الوحي فيه معنى القول . أو مصدرية في موضع الجر ، بدلا من الروح ، أو النصب بنزع الخافض ، أو مخففة من الثقيلة . وقوله : ( لا إله إلا أنا ) : جرى على المعنى ، ولم يجر على اللفظ ، وإلا لقال : لا إله إلا اللّه . انظر ابن عطية . قال المحشى الفاسي : وسر ذلك هنا : التصريح بالمقصود ، وأن الإله الواحد هو المتكلم لا غيره ، كما قيل في قوله :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
« 1 » ، أي : ولم يقل : فإياه فارهبوا ، بل نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم ؛ مبالغة في الترهيب ، وتصريحا بالمقصود ، كأنه قال : فأنا ذلك الإله الواحد ، فإياي فارهبون لا غير . ه .
قلت : وكأنه قال هنا : ينزل الملائكة بالوحي أن أعلموا أنه لا يعبد إلا إله واحد ، وأنا ذلك الواحد .
يقول الحق جل جلاله ، تحقيقا لما وعدهم به ، وأن ذلك الوعد ، مع دنوه وقربه بالوحي ، فلا خلف فيه ، فقال :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
أي : جبريل ، جمعه ؛ تعظيما ، أو : لأنه قد ينزل معه غيره من الملائكة ، فيحضرون الوحي ؛ حرّسا له . أو : لأنه قد ينزل بالوحي غيره من الملائكة ، كما في صحيح مسلم : « إن سورة الحمد نزل بها ملك لم ينزل إلى الأرض قبل ذلك » « 2 » . وقال عليه الصلاة والسلام : « إن إسرافيل وكّل بي في ثلاث سنين ، فكان يأتيني بالكلمة والكلمتين ، ثم كان جبريل يأتيني بالقرآن في كل وقت » . وروى أن خالد بن سنان كان نبيا ، وكان يأتيه بالوحي مالك خازن النار ، وكان بعد عيسى عليه السّلام ، ولم يبق في النبوة إلا عشرين يوما ، ثم مات ، فلقصر مدته لم يعد نبيا ، بعد عيسى ونبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما كانت فترة خمسمائة عام . وذكر ابن العربي أن ذا القرنين كان ينزل عليه ملك ، يقال له : رفائيل ، فكان يلقى إليه الوحي ، ويطوى له الأرض . هكذا نقل الشطيبى عنه في اللباب ، فانظره .
هامش
( 1 ) من الآية 51 من سورة النحل .
( 2 ) أخرجه بطوله مسلم في ( صلاة المسافرين ، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة ) عن ابن عباس رضي اللّه عنه .