تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
: لا تطمح ببصرك طموح راغب
إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
أي : أصنافا من الكفار ، من زهرة الحياة الدنيا ، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته . وفي حديث أبي بكر : « من أوتى القرآن ، فرأى أن أحدا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى ، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا » . « 1 » قال ابن جزى : أي : لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا ، ومعنى الآية : تزهيد في الدنيا ، كأنه يقول : قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم ؛ فلا تنظر إلى الدنيا ، فإن الذي أعطيناك أعظم منها . ه . وروى أنه صلى اللّه عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات ، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنّضير ، فيها أنواع البرّ ، والطيب والجواهر ، وسائر الأمتعة ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها ، ولأنفقناها في سبيل اللّه ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : « قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل » . « 2 » .
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
: لا تتأسف على كفرهم ؛ حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا . أو : حيث متعناهم بالدنيا فلم ينتفعوا بها ، ولم يصرفوها في مرضاة اللّه ،
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
؛ أي : تواضع وألن جانبك للمؤمنين ، وارفق بهم . والجناح ، هنا ، استعارة .
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
: البين الإنذار ، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب اللّه نازل بكم إن لم تؤمنوا ، وفي الحديث : « أنا النذير ، والموت مغير ، والقيامة الموعد » . أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، وفي حديث آخر : « أنا النّذير العريان » . وكانت العرب ، إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم ، تجرد من ثيابه ، ثم أنذر قومه ليصدقوه ، أي : وقل : إني أنذرتكم أن ينزل بكم عذابه .
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
، أي : مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين ، وهم أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض ، فاقتسموا قسمين . والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية ، أو تسليط عدوهم عليهم . وقيل : هم كفار قريش ؛ اقتسموا أبواب مكة في الموسم ، فوقف كل واحد منهم على باب ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام ، يقول أحدهم : هو ساحر ، والآخر : هو شاعر ، فأهلكهم اللّه يوم بدر . وقيل : هم الرهط الذين اقتسموا ، أي : تقاسموا ليبيتوا صالحا ، فأسقط اللّه عليهم الغار الذي كمنوا فيه ، فشدخهم . أو : آتيناك القرآن ، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين ، وهم اليهود ،
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
أي : أجزاء متفرقة ، وقالوا فيه أقوالا مختلفة ، فقالوا ؛ عنادا وكفرا : بعضه موافق للتوراة والإنجيل ، وبعضه
هامش
( 1 ) قال الولي العراقي : لم أقف عليه ، وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : لم أجده من حديث أبي بكر . وأخرجه ابن عدي في الكامل ( 2 / 787 ) ، ولفظه : ( من تعلم القرآن وظن أن أحدا . . . ) فذكره من حديث ابن مسعود مرفوعا . . وراجع الفتح السماوي ( 2 / 750 ) . ( 2 ) قال المناوي في الفتح السماوي : لم أقف عليه . وذكره الواحدي في الأسباب ( 283 ) عن الحسين بن الفضل ؛ مرسلا .