تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
باطل مخالف لهما . وإذا قلنا المقتسمين : هم كفار قريش ، حيث اقتسموا أبواب مكة ، فقد جعلوا القرآن عضين ؛ أجزاء متفرقة ، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين ، أو جعلوه بهتانا متعددا ، على تفسير العضة بالبهت . وفي الحديث : « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العاضهة والمستعضهة » « 1 » أي : الباهتة ، والمستبهتة : الطالبة له . قال تعالى في وعيد المقتسمين :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
من التقسيم والتكذيب ، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي ، وفي البخاري : « لنسألنهم عن لا إله إلا اللّه » . فإن قيل : كيف يجمع بين هذا وبين قوله :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
؟ « 2 » فالجواب : أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض ؛ لأن اللّه تعالى يعلم الأعمال ، فلا يحتاج إلى سؤال . وقيل : في القيامة مواطن وخوارق ، فموطن يقع فيه السؤال ، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال . قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
: فاجهر ، وصرح به ، وأنفذه ، من صدع بالحجة : إذا تكلم بها جهارا . أو : فرّق ، بما تؤمر به ، بين الحق والباطل ، وأصله : الشق والإبانة ، وما : مصدرية ، أو موصولة ، والعائد محذوف ، أي : بما تؤمر به من الشرائع .
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
فلا تلتفت إلى ما يقولون ، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره .
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
بك ، وبما أنزلنا إليك ؛ بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه ، من غير سعى من النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك . وكانوا خمسة من أشراف قريش : الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، وعدى بن قيس ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن يغوث ، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والاستهزاء به ، فقال جبريل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت بأن أكفيكهم » فأومأ إلى ساق الوليد فمرّ بنبّال فتعلق بثوبه سهم ، فلم ينعطف لأخذه ، تعظما ، فأصاب عرقا في عقبه فمات . وقيل : خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة . وأومأ إلى أخمص العاص ؛ فدخلت فيها شوكة ، فانتفخت حتى صارت كالرحى ، فمات . وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات . وأومأ إلى الأسود ابن عبد يغوث ، وهو قاعد في أصل شجرة ، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات . وقيل : استسقى بطنه فمات ، ولعله جمع بينهما . وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي . وفي السيرة ، بدل عدى بن قيس ، الحارث بن الطلاطلة ، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله « 3 » .
هامش
( 1 ) عزاه في الفتح السماوي ( 2 / 752 ) لابن عدى في الكامل من حديث ابن عباس ، وفي إسناده ضعف . وقوله : العاضهة والمستعضهة : أي : الساحرة والمستسحرة . . . انظر النهاية ( 3 / 255 ) . ( 2 ) الآية 39 من سورة الرحمن . ( 3 ) أخرجه الطبراني في الأوسط ، كما في المجمع ( 7 / 46 ) ، وأبو نعيم في الدلائل ، ( باب قوله : فاصدع بما تؤمر 2 / 316 ) والبيهقي في الدلائل ( باب المستهزءون وأسماؤهم ) من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه .