تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
و ( من لعنة اللّه ) : إما خبر ، أي : هو من لعنه اللّه ، أو بدل من شر ، ولا بد من حذف مضاف ، إما من الأول أو الثاني ، أي : بشر من أهل ذلك الدين من لعنه اللّه ، أو دين من لعنه اللّه . ومن قرأ : ( عبد ) بفتح الباء ، ففعل ماض ، صلة لموصول محذوف ، أي : ومن عبد ، و ( الطاغوت ) : مفعول به ، ومن قرأ بضم الباء ، فاسم للمبالغة ، كيقظ ، أي : كثير اليقظة ، وهو عطف على القردة ، والطاغوت مضاف . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم :
هَلْ
أخبركم بأقبح من ذلك الدين الذي قلتم ما رأيتم شرا منه ، هو دين
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
، أو نفس من لعنه اللّه ، أي : أبعده من رحمته
وَغَضِبَ عَلَيْهِ
بكفره وعصيانه ، وهم اليهود ،
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
أي : مسخ بعضهم قردة وخنازير ، وهم أصحاب السبت ، مسخ شبابهم قردة ، وشيوخهم خنازير ،
وَ
جعل منهم أيضا من
عَبَدَ الطَّاغُوتَ
، وهم عباد العجل ، أو الكهنة ، أو كل من أطاعوه في معصية اللّه ،
أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً
أي : أقبح مكانا ، أي : أقبح مرتبة وأخس حالا ، جعل مكانهم شرا ، ليكون أبلغ في الدلالة على شريتهم ،
وَ
هم أيضا
أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
أي : عن وسط الطريق ، بل حادوا عنه إلى طرق تفريط أو إفراط ، حيث تركوا طريق الإسلام ، الذي هو الصراط المستقيم . الإشارة : من كان متلطخا بالمعاصي والذنوب ، وباطنه محشو بالمساوئ والعيوب ؛ كالحسد والجاه وحب الدنيا وسائر أمراض القلوب ، ثم جعل يطعن في طريق الخصوص ، يقال له : هل أنبئك بشر من ذلك ، هو من أبعده اللّه بسبب المعاصي والذنوب ، وغضب عليه بسبب أمراض القلوب ، ومسخ قلبه عن مطالعة أنوار الغيوب ، فهذا أقبح مكانا وأضل سبيلا ، فكل من أولع بالطعن على الذاكرين ، يمسخ قلبه بالغفلة والقسوة ، حتى يفضى إلى سوء الخاتمة . والعياذ باللّه . ثم وسمهم الحق تعالى بالنفاق ، أي : اليهود ، فقال :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 61 ]

وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) قلت : جملة : ( وقد دخلوا ) ، وجملة : ( وهم قد خرجوا ) ، حالان من فاعل ( قالوا ) ، ودخلت ( قد ) على دخلوا وخرجوا ؛ تقريبا للماضى من الحال ، ليصح وقوعه حالا ؛ أي : ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام ، وأفادت أيضا - لما فيها من التوقع - أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم . يقول الحق جل جلاله في ذكر مساوئ اليهود :
وَإِذا جاؤُكُمْ
ودخلوا عليكم ، أظهروا الوفاق لكم ، و
قالُوا آمَنَّا
بدينكم
وَ
هم
قَدْ دَخَلُوا
عليكم ملتبسين
بِالْكُفْرِ
في قلوبهم ،
وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا
أيضا
بِهِ
، فلم ينفع فيهم وعظ ولا تذكير ، بل كتموا النفاق وأظهروا الوفاق ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ
؛ فيفضحهم على رؤوس الأشهاد .