تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
ثم وبخ أهل الكتاب ، فقال :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 59 ]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ( 59 ) قلت : نقم - بفتح القاف - ينقم - بالكسر - ، بمعنى : عاب وأنكر ، وانتقم إذا كافأه على إنكاره ، ويقال : نقم - بالكسر - ينقم - بالفتح - وقرىء به في الشاذ ، و ( أن أكثركم ) : عطف على ( آمنا ) أي : ما تعيبون منا إلا أنا مؤمنون وأنتم فاسقون . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا
أي : ما تنكرون علينا وتعيبونه منا
إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ
من الكتب كلها ،
وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ
خارجون عن هذا الإيمان ، وهذا أمر لا ينكر ولا يعاب ، ونظير هذا في الاستثناء العجيب قول النابغة :
لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب .
الإشارة : أهل الخصوصية يقرون أحوال أهل الشريعة كلها ، ولا ينكرون على أهلها شيئا من أمورهم ، وأهل الشريعة ينكرون كثيرا من أحوال أهل الخصوصية ويعيبونها عليهم ، وهي من أفضل القربات إلى اللّه عندهم ، فيقولون لهم : هل تنقمون منا إلا أن آمنا بشريعتكم ، وأنتم خارجون عن حقيقتنا ورؤية خصوصيتنا ، لكن أهل الشريعة معذورون في إنكارهم ، إذ ذاك مبلغهم من العلم ، فإن كان إنكارهم غيرة على ما فهموا من الدين فعذرهم صحيح ، وإن كان حسدا أو حمية فهم ممقوتون عند اللّه . واللّه تعالى أعلم . ولما جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة من اليهود ، فقالوا يا محمد : أخبرنا بمن تؤمن من الرسل ، فتلا عليهم :
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ
إلى قوله :
وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى
« 1 » فلما سمعوا ذكر عيسى قالوا : ما رأينا شرا من دينك ، فأنزل اللّه تعالى في الرد عليهم :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 60 ]

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) قلت : مشاركة اسم التفضيل هنا باعتبار زعمهم واعتقادهم ، وإلا فلا مشاركة بين المسلمين وبينهم في الشر والضلال ، و ( مثوبة ) : تمييز عن شر ، وضع موضع الجزاء ، وأصل المثوبة : في الخير ، والعقوبة : في الشر ، فوضع هذا المثوبة موضع العقوبة تهكما بهم ، كقوله : تحيّة بينهم ، ضرب وجيع .
هامش
( 1 ) الآية 84 من سورة آل عمران .