أنفسهم وأهواءهم ،
وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
؛ إذ لا يراقبون سوى المحبوب ، وليس للمحبة طريق إلا محض الفضل والكرم .
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
؛ لكن صحبة المحبوبين عند اللّه من أسبابها العادية ، وهم أولياء اللّه الذين هم حزب اللّه ، فولايتهم والقرب منهم من أسباب القرب والمحبة ، ومن موجبات النظر والغلبة ؛
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
ثم نهى عن صحبة ضدهم ، فقال :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 57 إلى 58 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 )
قلت : ( والكفار ) : من نصب عطف على الموصول الأول ، ومن جرّ فعلى الموصول الثاني .
يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً
من شدة كفرهم ، وغلبة سفههم
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
كاليهود والنصارى ،
وَ
لا تتخذوا أيضا
الْكُفَّارَ
من المشركين
أَوْلِياءَ
وأصدقاء ، أو : لا تتخذوا من اتخذ دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب ومن المشركين أولياء ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في موالاتهم
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
؛ فإن الإيمان يقتضى الوقوف عند الأمر والنهى .
وكيف توالون من يستهزئ بدينكم ،
وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً
، روى أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول اللّه ، قال : أحرق اللّه الكاذب . فدخل خادمه ذات ليلة بنار ، وأهله نيام ، فطارت شرارة في البيت ، فأحرقته وأهله ) . وفي الآية دلالة على مشروعية الأذان من القرآن . ثم قال تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
؛ فإن السفه يؤدى إلى الجهل بالحق والهزء به ، والعقل يقتضى المنع من الجهل والإقرار بالحق وتعظيمه . واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : قد حذّر الحق جل جلاله من صحبة الأشرار ، ويفهم منه الترغيب في موالاة الأخيار ، وهم الصوفية الأبرار ، ففي صحبتهم سر كبير وخير كثير ، ولابن عباد رضى اللّه عنه في نظم الحكم :
إنّ التّواخى فضله لا ينكر * وإن خلا من شرطه لا يشكر
والشرط فيه أن تواخى العارفا * عن الحظوظ واللحوظ صارفا
مقاله وحاله سيّان * ما دعونا إلّا إلى الرحمان
أنواره دائمة السّراية * فيك وقد حفّت به الرّعاية
وفي الحكم : « لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على اللّه مقاله » . وباللّه التوفيق .