تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ثم نعى عليهم مقالاتهم الشنيعة ، التي هي من جملة قولهم الإثم ، فقال :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
أي : مقبوضة عن بسط الرزق . روى أن اليهود أصابتهم سنة جدبة بشؤم تكذيبهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا هذه المقالة الشنيعة ، والذي قالها فنحاص ، ونسبت إلى جملتهم ؛ لأنهم رضوا بقوله ، فغل اليد كناية عن البخل ، وبسطها كناية عن الجود ، ومنه :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 1 » . ثم رد عليهم فقال :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
، يحتمل أن يكون دعاء أو خبرا ، ويحتمل أن يكون في الدنيا بالأسر والقبض ، أو في الآخرة بجعل الأغلال فيها إلى عنقهم في جهنم ، قال تعالى :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
أي : نعمه مبسوطة على عباده ، سحاء عليهم ، الليل والنهار ، وإنما ثنيت اليدان هنا ، وأفردت في قول اليهود ؛ ليكون أبلغ في الرد عليهم ، ومبالغة في وصفه تعالى بالجود والكرم ، كما تقول : فلان يعطى بكلتا يديه ؛ إذا كان عظيم السخاء ، أو كناية عن نعم الدنيا والآخرة ، أو عن ما يعطيه استدارجا وما يعطيه للإكرام . ثم أكده بقوله :
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
أي : هو مختار في إنفاقه ، يوسع تارة ويضيق تارة أخرى ، على حسب مشيئته ومقتضى حكمته . ولمّا عميت بصيرتهم بالكفر ، وقست قلوبهم بالذنوب ، كانوا كلما ازدادوا تذكيرا بالقرآن ، زادوا في العتو والطغيان ، كما قال تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
؛ إذ هم متعصبون بالكفر والطغيان ، ويزدادون طغيانا وكفرا بما يسمعون من القرآن ، كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصالح للأصحاء . ومن مساوئهم أيضا : تفريق قلوبهم بالعداوة والشحناء ، كما قال تعالى :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
؛ فلا تتوافق قلوبهم ولا تجتمع آراؤهم ؛
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
أي : كلما أرادوا حرب الرسول - عليه الصلاة السّلام - وإثارة شر عليه ، ردهم اللّه ، وأبطل كيدهم ، بأن أوقع بينهم منازعة كف بها شرهم ، أو : كلما أرادوا حرب عدو لهم هزمهم اللّه ، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط عليهم فطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمون . فكان شأنهم الفساد ، ولذلك قال تعالى فيهم :
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
أي : الفساد بإثارة الحروب والفتن ، وهتك المحارم ، واجتهادهم في الحيل والخدع للمسلمين ،
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
أي : لا يرضى فعلهم فلا يجازيهم إلا شرا وعقوبة .
هامش
( 1 ) من الآية 29 من سورة الإسراء .