وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
في تلك البيوت ، أمروا بذلك أول مرة لئلا تظهر عليهم الكفرة ويفتنونهم عن دينهم ،
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
بالنصر والعز في الدنيا ، وبالجنة في العقبى .
الإشارة : اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم ، وفي الحكم : « ما نفع القلب شئ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة » ، وأصلهم في ذلك : اعتزاله صلّى اللّه عليه وسلّم في غار حراء في مبدأ الوحي ، فالخلوة للمريد لا بد منها في ابتداء أمره ، فإذا قوى نوره ودخل مقام الفناء ؛ صلح له حينئذ الخلطة مع الناس ، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع الحق ، فإن لله رجالا أشباحهم مع الخلق تسعى ، وأرواحهم في الملكوت ترعى . وقال بعضهم : [ الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت ] ، فإذا رجع إلى البقاء لم يختر حالا على حال ؛ لأنه مع اللّه على كل حال ، وهذا من أقوياء الرجال . نفعنا اللّه بهم .
ثم ذكر دعاء موسى على فرعون ، فقال :
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 88 إلى 89 ]
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 89 )
قلت : اللام في ( ليضلوا ) لام كي ، متعلقة بآتيت محذوفة ، أو بالمذكورة ، ولفظ ( ربنا ) تكرار ، أو تكون لام الأمر ، فيكون دعاء عليهم بلفظ الأمر ، بما علم من قرائن أحوالهم أنه لا يكون غيره .
فَلا يُؤْمِنُوا
: جواب الدعاء ، أو عطف على ( ليضلوا ) .
يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
: ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوها ،
وَأَمْوالًا
: أنواعا من المال
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
استدراجا ،
رَبَّنا
آتيتهم ذلك
لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
طغيانا وبطرا بها ، وصرفها في غير محلها ، أو ربنا اجعلهم ضالين عن سبيلك ، كقول نوح عليه السّلام :
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا
« 1 » لما أيس من إيمانهم ،
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
أي : أهلكها وامحقها ،
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ
بالقسوة ، واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان ،
فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
أي : إن تطمس على أموالهم وتشدد على قلوبهم لا يؤمنوا إلا قهرا .
هامش
( 1 ) الآية 26 من سورة نوح .